بغداد/ د. غزوان جبار
يقع مئات الناس يومياً في العراق ضحايا عمليات احتيال التسوق الالكتروني؛ بسبب الطلب على سلع منزلية ومنتجات عناية صحية من أماكن غير معروفة، يتم الإعلان عنها عِبر منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتيكتوك ويوتيوب وانستغرام) وغيرها، وتستعين شركات التسويق أحياناً بمشاهير مقابل مبالغ مادية من أجل الإعلان عن منتجاتها، لكن ليس كُل ما يُعلن عنه حقيقياً، لدرجة ان بعض المواقع الالكترونية لا تكشف عن وجوه المعلنين وأيديهم أثناء عرض السلع؛ خشية التعرف عليهم من وشم موجود فيها، أو أي علامة دالة، إذ يرتدي هؤلاء قفازات سوداء، فيما تتشابه أصوات المعلنين التي تم تغييرها باستخدام برامج تضخيم الصوت، ليبدو مختلفاً عن الصوت الحقيقي.
سلع تختلف عن المعروضة
تختلف أسباب التسوق الالكتروني في العراق من شخص لآخر، ومن أهمها سهولة الحصول على السلعة التي يتم إيصالها إلى منازل الزبائن دون عناء، فضلاً عن رخص أسعار السلع مقارنةً بالمعروضة في الأسواق، والتي قد تصل إلى نصف السعر، وبالتالي يفضل الكثير من المتبضعين التسوق الالكتروني بدلاً من الذهاب إلى السوق، وبالنتيجة يتعرض أغلب الناس للخداع؛ لشراء سلع تختلف عن ما يتم عرضه عِبر منصات التواصل الاجتماع، فقد تصلهم مُنتجات رديئة لا تُضاهي ما شاهدوه على أرض الواقع معروضاً في محال تجارية، وبحسب ما يروي مواطنون انهم “يشترون السلعة من موقع ما، لمرة واحدة، وفي حال قدموا شكواهم إلى مسؤول الصفحة سيتم السماع لشكواهم ومن ثم حظرهم”، ويقول أحد المتسوقين “بعد أن يتأكد البائع من دفع المال إلى المندوب، يُبلغنا المندوب أن بإمكاننا مراسلة الصفحة وكتابة شكوانا، في حال وجدو خطأ ما، لأنه مُجرد مندوب توصيل، لا علاقة له بالموقع”، ويُضيف هؤلاء المواطنون “في حال تم رفض السلعة يجب علينا دفع أجور التوصيل، مما يضطرنا أحياناً إلى قبول السلعة كيفما كانت، حتى وإن كانت مخالفة للمعروضة”.
أشكال الاحتيال
بسبب غياب الرقابة تنتشر في العراق متاجر وهمية لأشخاص يُنشؤون صفحات ومواقع تبدو حقيقية لبيع منتجات مغشوشة، كمت يتم الاحتيال بسرقة جزء من البضائع أثناء الشحن، في حال كان الطلب من دولة أُخرى، وقد تكون السلع التي تم طلبها غير مطابقة للمواصفات، مع غياب آليات تعويض واضحة، ومن بين أشكال الاحتيال، “يظهر في أحدى صفحات الفيسبوك أو غيرها من منصات التواصل الاجتماعي، أشخاص يعرضون عطور يضعونها في علب صغيرة مع مبالغ مالية في ظروف صغيرة، ويُقسمون بالله ان العطور أصلية الصُنع وماركات عالمية” بحسب رواية أحدى المتسوقات، وتستدرك قولها “لكن حين تصل الطلبات يتضح كذب ادعائهم ويتبين ان العطور مُعبأة محلياً ورديئة جداً وليس هناك أية أموال في الظرف المُرفق، والمبالغ التي تم دفعه (25000) دينار عراقي ذهب سُدى”، وتُشير الحاجة أُم مشتاق انها “تعرضنت للخداع مرات عديدة، مما أفقدها الثقة بخدمات التوصيل، بعد أن شاهدت مقطع فيديو لأشخاص يدَعون ان هناك أموال يتم وضعها مع العطور التي لا يتجاوز سعر كل منها 5000 دينار عراقي، وأحياناً تكون أسعار العطور أقل من ذلك ولا تساوي سعر الزُجاجة التي تم تعبئة كل عطر فيها”.
الحظر واجب بعد الشراء
بعد أن تتم عملية الشراء يتم حظر المشتري لكل لا يعلق تعليق سلبي على الصفحة التي عرضت المُنتَج، عِبر أحدى منصات التواصل الاجتماعي، وتبقى فقط التعليقات الايجابية المُزيفة لأشخاص تابعين لشركة التوصيل، ويشير أحد المواطنين إلى ان “احدى المواقع كانت تعرض مُنتج (حذاء رياضي) على انه مُنتج ألماني، وبأن الباركود يُظهر انه مُنتج ألماني حقيقي، لكن ما يصل إلى الزبون غير ذلك، ويختلف عن الصور المعروضة”، ويُضيف ان “المُنتج الذي وصل إليه لا يدوم طويلاً كما ادعى البائع، وان المسؤول على الصفحة الذي كان يتحدث معه عِبر منصة التواصل يحظره بعد أن يدفع المال لمن يوصل إليه السلعة المُزيفة”.
ونتيجةً لذلك بات الكثير من الناس ضحايا التسوق الإلكتروني في العراق لعمليات نصب عبر متاجر وصفحات وهمية، في ظل تحديات قانونية وأمنية تعجز عن مكافحة هذه الظاهرة، والحفاظ على سمعة الشركات الحقيقية التي تعمل في مجال التوصيل وتتولى عمليات توصيل بضائع يتم الطلب عليها من دول أُخرى.
هوس النساء بالتسوق الالكتروني
رغم التجارب السلبية مع التسوق الالكتروني في العراق، يزداد هوس النساء بالتسوق عِبر منصات التواصل الاجتماعي خصوصاً عندما يتعلق الأمر باقتناء الملابس ومستحضرات التجميل، ويعود ذلك بحسب الإعلامية أسيل ناصح إلى “الأساليب التي يتبعها المعلنون الذين يستعينون بنساء رشيقات القوام لتبدو الملابس بأروع ما يُمكن من دون أن يتمكن الناس من معرفة الخامة الحقيقية للملابس المعروضة وإذا ما كانت ذو نوعية جيدة أو غير جيدة، مع تأكيد المعلن على الامتيازات الأُخرى المتوفرة فيها لإغراء النساء بشراء الفساتين وغيرها من الملابس المعروضة”، وتشير أيضاً إلى ان “أسعار الملابس التي يتم عرضها عِبر منصات التواصل الاجتماعي سواء في بث مباشر أو غير مباشر، تبدو أقل من أسعار المعروضة في الأسواق”، وتفضل الكثير من النساء المُنشغلات بساعات عمل طويلة التسوق الالكتروني، لعدم وفر الوقت الكافي للتسوق من المولات والمحلات التجارية، أما النساء اللاتي يقضين وقت فراغ كبير في المنزل “فهُن الأكثر اهتماماً بما يُعرض من منتجات على السوشيال ميديا” ترى الإعلامية وخبيرة التسويق الإعلاني أميرة الجابر، وتصف الأمر بأنه “أصبح بالنسبة لهُن أسلوب حياة، واغلب من يتسوقنَ عبر الانترنت هُن ربات بيوت أو موظفات يقضين لديهن وقت فراغ في المنزل، ويخضعن لقيادة الرغبات”، مُشيرةً إلى ان “القائمين على السوشيال ميديا هم الذين يتولون عملية قيادة الرغبات ويرغبون عملية الاحتياج إلى السوق الالكتروني لدى النساء، ويحاولون إيصال فكرة إلى المجتمع مفادها ان التسوق عبر الانترنت هو أسلوب حياة جديد ومن لا يتبع هذا الأسلوب يُعد متخلفاً “.
فيما تقول الإعلامية في قناة السومرية سلمى الجميلي” لا يمكن اختزال التسوق بكلمة هوس فالتسوق الالكتروني لم يعد مجرد عملية شراء، لأن المنصات مثل Instagram وTikTok وغيرها تسعى لتقديم المنتجات ضمن سياق حياتي جذاب يوحي بالثقة والقرب، وكأن التوصية صادرة من صديقة لا من إعلان” وتضيف ان “الشراء يتحول إلى وسيلة للتعبير عن الهوية والانتماء لنمط حياة معين، لا مجرد تلبية حاجة، إلى جانب ذلك، يمنح التسوق الرقمي شعوراً سريعاً بالرضا، خاصة في أوقات الضغط، بينما تؤدي الصورة المثالية والإخراج البصري دوراً كبيراً في التأثير على القرار”، وبحسب قناعتها “تساهم المقارنة الاجتماعية والتعرض المتكرر لنفس المنتجات في تعزيز الرغبة، مدعومة بخوارزميات ذكية تعرض محتوى مخصص لكل مستخدم، ومع سهولة الشراء وسرعته، تقل فرص التردد أو التراجع” وتؤكد ان “الإقبال المتزايد على التسوق الالكتروني ليس سلوكاً عشوائياً، بل نتيجة بيئة رقمية مصممة بعناية لتجذب الانتباه وتؤثر في القرار، مما يجعل الاختيار المتزن للمنتج ضرورة لا رفاهية” فيما ترى الآنسة لانا ان “المنتجات التي يتم عرضها في منصات التواصل الاجتماعي تبدو أجمل من تلك التي تشاهدها في الأسواق المحلية القريبة خصوصاً انه تقضي أغلب وقتها في التصفح”.
ومع كل ما تم ذكره تبقى قناعات المستهلك هي المقرر الأول لعملية الشراء للسلع والبضائع، من مواقعها التي تعرضها على أرض الواقع أو من تلك المواقع الرسمية الخاصة بها، أو عِبر منصات التواصل الاجتماعي، وتحكم ذلك القرار التجارب السابقة سواء أكانت سلبية أو إيجابية، فإذا كان سلبية تتزعزع الثقة بالشراء اعتماداً على خدمات التوصيل، وإذا كانت إيجابية تستمر عملية الشراء للسلع والمنتجات على اختلاف أنواعها، من مواقع رسمية أو غير رسمية، ورغم التجارب السلبية يبقى التسوق الالكتروني رائجاً لأن أغلب الناس يقضون وقتاً طويلاً في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي التي بات الإعلان أحدى أهم ركائزها.
