بغداد-رسول رحيم
“تغيرت حياتنا بعد وفاة والدي، وأكملنا مسيرتنا في الحياة انا ووالدتي وأخوَتي السبعة، والذين لم يتمكنوا من العمل، لأنهم لم يكملوا دراستهم بعد” حسب ما يقول حسن علي (18) عاماً، ويضيف “كان على احدنا ان يشغل مكان ابي في العمل لأن ظروفنا المعيشية لم تسمح بأن نبقى مكتوفي الأيدي”.
من يتولى المسؤولية؟
يمر كل إنسان بنقطة تحول تُغير حياته وتنعكس على ظروفه المعيشية، وحين يموت رب الأسرة تنتهي مرحلة مُشرقة من حياة زوجته واولاده وبناته، وبوفاة والد حسن انتهت مرحلة الطمأنينة والسكينة ليتولى مسؤولية والده، وقد يكون حسن محظوظاً لأنه ورث مهنة يحصل منها على مبلغ مالي كبير، ويقول حسن ان “المال الذي أحصل عليه يومياً لا يُعوض، فحتى الموظف لا يحصل على ما يوازيه من راتب شهري، وهو يكفي لسد احتياجاتنا، المعيشية”ويضيف حسن “كان والدي يعمل في تحرير اللوائح القانونية أمام محكمة الكاظمية في بغداد، وبعد مقتله على يد عصابة إجرامية، عملت بدلاً عنه وشغلت الحيز الصغير الذي كان يعمل فيه، والحمد لله لم نحتاج لأحد، واكمل اخوتي دراستهم واصبح ثلاثة منهم مهندسين معماريين واثنين استشاريين واحدهم عاملاً واثنان منهما تقنيان”.
وقد تكون أوضاع ابناء المغدور ‘علي’ افضل من غيرهم لأنه ترك لهم مهنة ومِن بينهم مَن يستطيع الاعتماد على نفسه، لكن هنالك عائلات مرت بمرحلة ضياع وغربة بعد رحيل اولياء أمورهم.
أطفال وأرامل بعد وفاة ارباب الأُسر
يموت الكثير مِن أرباب الأُسر بسبب أمراض مزمنة او نتيجة كبر سنهم بعد عمرٍ طويل، حين يكبر ابناءهم وبناتهم، لكن هنالك ارباب أُسر اودت بحياتهم كوارث واحداث عنف وحروب وأعمال إرهابية وتركوا ابناءهم صغاراً، لتتكفل نساءَهم بتربيتهم ورعايتهم، او اي من اهل الزوجين، ونجحت الكثير من النساء في تولي زمام الأمور بعد وفاة ازواجهن.
هيفاء حسن (٣٦) عاماً نجت مع اولادها بعد احتراق منزلهم بسبب تماس كهربائي أدى إلى وفاة زوجها، تقول الأرملة هيفاء “اخذت على عاتقي تربية أولادي دون الحاجة لأحد وعملت منظفة في احدى العيادات الطبية، وخَبازة في المنزل لكسب المال من بيع الخبز، من اجل الحفاظ على مستقبل أولادي الدراسي”، ولم لم تكن حالة هيفاء الوحيده فهنالك الكثير من النساء، الارامل كافحنَ من اجل العيش.
ام عباس (٤٠) عاماً امتهنت الخياطة بعد موت زوجها الذي كان يعمل كهربائياً، تقول ام عباس “بعد موت زوجي نتيجةً لصعقة كهربائية عملت جاهدة لرعاية ابني الوحيد” وفعلاً عملت ام عباس وادخلت ابنها الى المدرسه وتضيف “اكمل عباس مسيرتهُ التعليميه وأصبح ضابطاً في وزارة الداخلية وهو من يتكفل برعايتنا الآن، فالعمل لا يقتصر على الرجال فقط، لكن من المخجل ان تمد يدك”.
لا تمد يدك لأحد
العمل عبادة وأفضل وسيلة لكسبِ العيش وصون كرامة الإنسان، ويكفل لصاحبه حياة حرة كريمة، والكثير من الشباب تولوا زمام الأمور بعد وفاة آباءهم، ويقول احمد خزعل (٢٢) عاماً “بعد وفاة والدي اثناء عودته من العمل بسبب حادث دهس توليت زمام الامور من اجل العيش الكريم فالعمل ضرورة من ضرورات الحياة، ولا بد لكل شخص أن يعمل في مجال ما لتقديم الفائدة لعائلته لكي لا يحتاج لأحد”، ولا تقتصر أهمية العمل على كونه مصدراً للرزق فقط، بل إن أهميته عظيمة نابعة من الفائدة المادية والمعنوية التي يجنيها الشخص عندما يمارس عمله.
ويقول احمد” يشعر الإنسان الذي يعمل بالارتياح والتفاؤل لأنه يكسب قوته من عرق جبينه وبأنه ذو فائدة كبيرة، ولا يشعر بقيمة العمل إلا من كان عاطلاً عن العمل ويمدَ يده الى الآخرين”.
لا يمكن أن تموت عائلتي
بعد مقتله اثناء نزاع عشائري امام منزله وهو عائد من العمل، ترك ‘حسين’ زوجته وولديه، ويقول ابنه الأكبر اكرم (23) عاماً “بعد رحيل والدي ترك لي اخ وام، وعزمت ان أتولى زمام الأمور واضطررت لترك الدراسة لأحل محل والدي ببيع اعشاب في سوق الشورجة، وواجهتُ في بداية العمل امور صعبة لكني سرعان ماتداركتها واستطعت ان اعينهم لأكون بالنسبة لهم بمكانة الأب الحنون والموجه لهم في كل شؤؤن حياتهم”.
وواصل أكرم عمله لكي لا يسمح لعائلته أن تموت، على حد وصفه، ولم يكن الوحيد الذي
اخذ على عاتقه رعاية الأسرة، فهنالك الكثير من الابناء تولوا المسؤولية بعد وفاة آباءهم، والذين مهما حاولت الأقلام أن تكتب فلن تصف عظمتهم، فمصيبة فقدان الأب كبيرة، لكن ما يهون على الأسرة، ان يُسارع من يستطيع العمل، كبيرا كان أو صغيراً ليتولى مسؤولية العائلة ويتدبر امور الأسرة، ليعيشوا حياةً كريمة، فالعمل عبادة وكرَمَ الخالق الإنسان الذي يعمل بجد واخلاص، فالعمل بمثابة باب من أبواب الجنة مفتوح لكل إنسان في هذه الدنيا ويُغلق بعد موته.



