عزوف الشباب عن القراءة.. وخير جليس يشكو العزلة!

مختصون يدعون إلى تطوير المكتبات في المؤسسات التعليمية

بغداد/ آية عبد الكاظم

تجلس مريم (22) عاماً بمفردها في حديقة الجامعة وهي تُمعن النظر في كتاب لا يبدو ضمن أحدى مواد التخصص الذي تدرسه، تسألها زميلتها حنين (21) عاماً، “ماذا تقرأينفقد أكملنا امتحانات الكورس الأول منذ أسبوعين واليوم هو أول أيام الدوام في الكورس الثاني بعد العطلة؟” تُجيب مريم “هذا الكتاب ليس من مواد الإعلام، انها رواية جديدة اشتريتها من معرض بغداد الدولي للكتاب” وتُضيف مريم “قراءة الكتب أفضل من إضاعة الوقت في استخدام الهاتف المحمول وتصفح مواقع التواصل الاجتماعي ومحتواها” مشيرة إلى ان “ثقافة المجتمعات تقاس على وفق ما يقضيه أبناءها من وقت للقراءة والمطالعة”.

وتجدر الإشارة إلى ان بغداد كانت اكثر العواصم العربية ثقافةً، واطلاعاً على الكتب التي يتم تألفيها وطباعتها، وبحسب المقولة الشهيرة (القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ) لكن السنوات الأخيرة شهدت عزوفاً كبيراً عن القراءة من قبل أغلب الشرائح وخصوصاً الشباب.

التطور الالكتروني يحول بين الشباب والقراءة

ان التساؤلات التي تشغل بال الكثيرين هي لماذا لا يقرأ الشباب في العراق الكتب؟ وإذا قرأوا كم يحتل حيز القراءة من حياتهم؟ وهل انشغال الشاب بالسعي وراء التكنولوجيا الحديثة له دور في تدني مستوى القراءة لديهم؟ وكيف أدى الإنترنت إلى عزوف الشباب عن شراء الكتب؟ وكيف حال القراءة في وطننا العربي مقارنة بالدول الأجنبية؟

وفي هذا الجانب يرى الطالب حسين كريم (22) عاماً “ان دخول التكنولوجيا إلى حياتهم من أهم أسباب عزوف الشباب من أقرانه عن القراءة، إذ أصبح بإمكانهم تصفح الإنترنت بكل سهولة بدلاً من الذهاب إلى المكتبة”، كما يقول زميله محمد (23) عاماً “نعم نعترف بأن هناك انحداراً كبيراً في القراءة، ونحن الجيل الجديد لا نعرف شيئاً عن الكتاب ونعتمد على الهاتف المحمول في كل شيء حتى عندما نحتاج إلى قراءة الكتب والمحاضرات الدراسية، وأغلب الأحيان ننشغل وننسى قراءة الكتاب الذي بحثنا عنه عِبر الانترنت”، وفي هذا الشأن يرى الدكتور رياض خماط ان “أغلب شباب اليوم لا يتعبون أنفسهم في البحث عن المعلومات، وذلك لسهولة وسرعة الحصول عليها من مواقع التواصل الاجتماعي دون عناء البحث عنها في المكتبات”.

ويرى الدكتور أنور صبحي ان “التطور الالكتروني الحاصل في الوقت القريب والثورة الالكترونية قللت من حظوظ الكُتاب تجاه الشباب، حيث بات الشباب اكثر استخدام وعرضه للأجهزة اللوحية والتعرض للمواقع الالكترونية وبالتالي عزوفهم عن الكتاب واهمال وقت القراءة، مما أدى إلى تدني مستواهم الثقافي والعلمي في المدارس والجامعات”، كما يؤكد الأستاذ علي قاسم ان “الإدمان على الانترنت والانتشار الواسع للألعاب الالكترونية، أدى إلى اهمال الكتاب بشكل كبير، حيث بات الشباب يقضون ساعات طويلة على الألعاب الالكترونية منها لعبة الببجي، إذ بلغ متوسط الوقت الذي يقضيه الشباب على تلك اللعبة اكثر من ثلاث ساعات، فضلاً عن تصفح مواقع التواصل مما يؤدي الى هدر وقتهم وبالتالي عزوفهم عن القراءة”.

تقاليد جديدة وعادات في طي النسيان

لم يفهم الكثير من الشباب في العراق حقيقة الانفتاح على العالم، فالكثيرين يأخذون القشور ويتركون اللُب، وفي هذا يرى الصحفي عبد الرحمن الصحن ان “الانفتاح على العالم الخارجي بفضل الانترنت ساعد على دخول تقاليد وعادات جديدة تبناها المجتمع من المجتمعات الغربية منها الموضة والموسيقى الحديثة” مشيراً إلى ان “السوشيالميديا ساعدت على تناسي التقاليد والعادات القديمة كالمطالعة والقراءة فبعد ما كان خير جليس للإنسان، يقضي وقته فيه، أصبحت النوافذ الالكترونية والتلفزيون الشغل الشاغل للشباب لقضاء أغلب أوقاتهم”، 

الجهل المُقَنَع

لا يخفى كذلك ما مر به المجتمع العراقي من أزَمات وفوضى انعكست عليه بشكلٍ سلبي، وفي هذا الشأن يقول الدكتور إسماعيل المعموري “أصبح المجتمع العراقي بعد التراكمات الفوضوية والحكومات المتعاقبة اسيراً لمشاكل جمة منها اتساع رقعة الأُمية والجهل المُقَنَع في ضوء انتشار الكثير من الأحزاب السياسية والأفكار المُتطرفة، لدرجة ان البعض باتوا يشيرون بأصابع الاتهام للكاتب او المثقف كمروج للأفكار الغربية وهذا ما حصل في بعض الشوارع الثقافية في العراق مثل شارع تشرين في قضاء الرفاعي في الناصرية والذي تم تدميره وشن هجمات فكرية وفسيبوكية من بعض ضعاف النفوس عليه”.

عودة الروح للكتاب

يعول الكثير من المثقفين على رواد شارع المتنبي من المثقفين الذين يزور اغلبهم المكان لاقتناء الكتب وقراءتها، ويقول السيد بلال البغدادي مالك دار سطور للطبع والنشر والتوزيع “في الآونة الأخيرة شهد شارع المتنبي اقبالاً كبيراً من قِبل القُراء بعد تنامي إصدار الكتب وطباعتها في بغداد، خصوصاُ مع دخول المطابع الحديثة، مما أدى الى خفض القيمة السوقية للكتاب فاصبت الأسعار زهيدة للقارئ وهذه بادرة أمل على عودة روح الكتاب للشارع من جديد”.

إلا ان الإقبال على شراء الكتب ليس بالمستوى المطلوب، حسب ما يرى كثيرين، ولعل الأسباب الاقتصادية وغلاء أسعار الكتب أو قصور دخل الشباب من بين أحد الأسباب التي تؤدي إلى عزوف الشباب عن القراءة، فضلاً عنانشغالهم في العمل لتأمين قوتهم اليومي، ويرى الدكتور رعد كاظم ان “السبب الرئيس لعزوف الشباب عن قراءة الكتب هو البطالة؛ فالكثير من الشباب يبحثون عن فرص عمل ويعانون من لمشكلات اجتماعية تجعلهم في دوامة وبالتالي يعزفون عن القراءة”.

ويرى باحثون اجتماعيون ان “الكثير من الشاب يهتمونبأمور وينسون الاهتمام بالقراءة، فضلاً عن أسباب إدارية تبرز عند مَن لا يُحسنون تنظيم أوقاتهم، فلا يبقى لديهم وقت للقراءة”، ويشير الدكتور رياض إلى ان “أغلب الشباب منشغلين بالهواتف المحمولة، فضلاً عن عدم تشجيع الأهل لهم وتحفيزهم على قراءة الكتب”.

تراجع الإقبال على شراء الكتب

رغم انتشار “ظاهرة” إقامة معارض الكِـتاب في العراق، وانتشار المكتبات العامة، لوحظ عدم الإقبال على الشراء، ويرى مراقبون ان “أسرع زيارة إلى المكتبات العامة في العراق، ستكشف مدى الإهمال الإداري لهذه المؤسسة التي لا تجذب القُراء بموجوداتها وأثاثها المُـتهالك، الذي أكل عليه الدّهر وشَرِب”، كما يرى هشام محمد ان “معرض بغداد الدولي الأخير للكتاب والذي أُقيم في شهر آذار لم يشهد إقبالاً كبيراً على الشراء”، لافتاً إلى ان “القُراء يبحثون عن كتب أكثر تنوعاً وهذا المعرض لم يكن متنوعاً بما يكفي”.

الحلول السريعة والجذرية

من أجل إيجاد الحلول السريعة والجذرية، وتحفيز الشباب على القراءة، لا بُد من الوقوف على المشكلات الجوهرية، وفي هذا الشأن يُشير الدكتور فاضل محمد المتخصص في علم الاجتماع إلى ان “الكتب تشكو العُزلة بسبب انشغال الشباب في عالمٍ السوشيال ميديا ومتابعتهم لمحتوى هابط لا يرقى إلى مستواهم الثقافي والعلمي” مؤكداً ضرورة متابعة الآباء لأبنائِهم وبناتهم منذ نشأتهم الأولى وتشجيعهم على حب القراءة”، كما يؤكد الدكتور خالد حنتوش الأستاذ في علم الاجتماع ان “تشجيع الأولاد على القراءة من أفضل السُبل”، لافتاً إلى انه “يعطي لكل من أبنائِه (10000) دينار عراقي مقابل كل كتاب يقرأه أي منهم”، ويرى انها “الطريقة المُثلى للتعامل مع أبناء في مرحلة المتوسطة والإعدادية”، وتقع على عاتق المؤسسات التعليمية المسؤولية الأكبر لتشجيع الطلبة على القراءة فهم النواة الأساس التي يُمكن أن يتم التعويل عليها لبناء جيل من المثقفين والواعين، فالمجتمعات تتطور بأبنائِها المتعلمين.

وتجدر الإشارة إلى ان إدراك ومعرفة فوائد القراءة وثمرتها في رفع المستوى الثقافي عند الإنسان، وحث الأبناء على قراءة القرآن الكريم وحفظه، من بين أهم الحلول التي تُشجع الأبناء على القراءة، فالكتاب صديق لا يُمل، ورفيق يؤنس ويسلي، وينصح باحثون اجتماعيون بغرس هذه العادة عند الأطفال منذ الصغر، ليربون على حبها بتوقير الإنسان القارئ والثناء عليه ليسلكوا مسلكه، ويمكن تشجيعهم بجلب القصص التشويقية المُصورة ليعتادوا على مطالعة الكتب.

ويدعو مختصون في التربية والتعليم إلى ضرورة الاعتناءبمكتبة المدرسة وتزويدها بالكتب المتنوعة الجذابة ذات الأغلفة المتميزة والمضمون المُفيد، وخاصة في المرحلة الابتدائية، إذ يميل الطفل إلى الصور والمناظر الجميلة، فضلاً عن تطوير المناهج وتحسين الكتب المقررة في الصفوف الأولية، ووضع مقرر القراءة الإضافية زيادة على مقرر القراءة الأساسي في المرحلة الابتدائية، كما هو مقرر على المرحلة المتوسطة، واصطحاب الأطفال إلى المكتبات ومعارض الكتب، وبذل المال عندما يرغبون في شراء كتاب ما، وتشجيعهم على ذلك، والاعتناء بالنشاط اللا صفي ، ووضع القراءة في المرتبة الأولى، ورصد المكافآت والجوائز التشجيعية على تلخيص الكتب وإجراء المسابقات حولها، واستغلال معارض الكتب التي تُقام كل سنة بتنظيمالزيارات لها والحث على زيارتها.

اكتشاف المزيد من Rowat ALHadath

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة