اختيار الشريك المناسب لبناء أسرة متماسكة ومجتمع خالٍ من العنف

•

•

بغداد/ سجى جاسم

بعد وفاة والدي، بدأت أواجه عنفاً مستمراً من قبل أخي الأكبر الذي كان يتحمل مسؤوليتي ومسؤولية والدتي تقول نور علي (24) عاماً، وتضيف “تعرضت للعنف الجسدي، ومُنعت من إكمال دراستي والتواصل مع العالم الخارجي”،

تسكت نور ثم تستكمل حديثها بحسرة “هذه التجربة القاسية قلبت حياتي رأساً على عقب, فبدلًا من أن أعيش حياة تشبه حياة الشابات الأخريات في عمري، وجدت نفسي عالقة في غرفتي، أتعرض للضرب والإهانات اليومية، لأعيش حياة قاسية فرضتها غلي ظروف الحياة بعد أن غاب أهم سند لي”.

تتنوع حالت الغنف الأسري في العراق بشكل ملفت للنظر، ووصلت الكثير من تلك الحالات إلى حد موت المعَنَفين، ولم يقتصر العنف الأُسري على طرف دون آخر، وتتصدر النساء قائمة حالات التعنيف في العراق, ثم الأطفال، والرجال.

غياب الوعي

لم تعد اخبار العنف جديدة، فبين الحين والآخر يتلقى العراقيون خبراً عن  حالة عنف جديدة تحدث في المجتمع، لا سيما بحق الأطفال، ولا نكاد ننسى حادثة تعنيف الفتاة مريم حتى تأتي حادثة موت الطفل مومى بعد تعذيبه على يد زوجة أبيه، أو مقتل رجل على يد زوجته، وفي هذا الشأن تقول زهراء جاسم التي تبلغ من العمر (23) عاماً ان “سبب العُنف الأمري هو انعدام الوعي لدى أفراد الأسرة بحقهم في الاحترام والتقدير والأمان النفسي والجسدي، فضلاً عن عدم تقبل الأفراد لبعضهم واحتواء سلبياتهم أو اطباعهم، مما يتسبب بشعور بعض الأفراد بالرفض والضغط على غيرهم، الأمر الذي يؤدي إلى العنف اللفظي أو الجسدي”.

التفكك الأسري

تقول فاطمة جابر عباس البالغة من العمر (21) عاماً “ان التفكك الأسري يؤدي إلى العُنف المجتمعي، ومن اسباب التفكك الأسري في جميع المجتمعات بلا استناء الطلاق أو وفاة أحد الوالدين أو كلاهما او ادمان أحد الوالدين على المخدِرات أو المشروبات الكحولية أو السجن” وتحذر من أن “يؤدي التفكك الأسري إلى انهيار الوحدة الاسرية او انحلالها، مما يؤدي إلى العنف الذي يترك آثاراً سلبية على الفرد والعائلة بشكل خاص والمجتمع بشكل عام”، ويرى باحثون متخصصون بالشأن الاجتماعي ان “من بين أسباب تراجع الترابط الأسري أساليب تعامل الوالدين مع الأبناء، مثل الإهمال، والمعاملة القاسية، بما فيها الضرب المبرح، والإساءة اللفظية، والتحقير، والتقليل من قيمتهم، وحرمانهم من التعليم والرعاية الصحية، فضلا عن كثرة المشاحنات التي تُسبب انعكاساً سلبياً على نفسية الأطفال”، ويضيف هؤلاء “ان التواصل الأسري هو مفتاح حماية الأسرة من التفكك، إذ إن العلاقات الصحية بين أفرادها المبنية على الحوار المفتوح والمحبة والاحترام المتبادل، هي من أهم العوامل التي تجعل الأسرة متماسكة بطريقة جيدة، وبناء على ذلك، يجب على أفراد الأسرة العمل على تحسين جودة التواصل بينهم، بالحديث مع بعضهم البعض”، وفي هذا الشأن تقول رقية حسان (22) عاماً ان “التفكك الأسرى يحدث بسبب سوء اختيار الزوج او الزوجة وايضا بسبب زواج القاصرات، مما يؤدي إلى حدوث فجوة في الأسرة أو عدم التوافق الجنسي بين الطرفين وبالتالي حدوث شجاربين الزوجين يتسبب بالطلاق او المجرة وهذا ما يدفع ضريبته الاطفال إذ ينشأ كل منهم ويترعرع في عائلة مفككة عند أحد الوالدين”، وتُضيف “ربما سيعاني الأطفال من مشكلات عاطفية واجتماعية ويميلون إلى الغضب الشديد ورغبه في الانطواء”، كما تُشير فاطمة جاسم (21) عاماً إلى ان “التفكك الأسري أو التصدع الأسري حالة من الخلل الوظيفي نتيجة لخلافات أو تخلي أحد الوالدين عن الأدوار الأساسية مما يؤدي إلى خلل وظيفي عام لعمل الأسرة ككل والذي يُعرف في المفاهيم الاجتماعية بالتفكك الأسري”،

الدين يُنافي العنف

ترى نيفين محمد (27) عاماً ان “العنف أي كان نوعه هو حرام شرعاً وقانوناً وإنسانياً وكل الديانات السماوية ترفض العنف بكل اشكاله وأنواعه وكل قوانين دول العالم تعتبر العنف جريمة فكُل من يرتكب العنف يتجرد من الدين والإنسانية والقيم والقانون”، وتضيف “رغم كل هذا والى الآن الكثير من الناس بستخدمون أسلوب العنف ضد زوجاتهم او اولادهم او المساكين او اقل منهم منصب وبالفترات الأخيرة اصبح العنف ضد الحيوان منتشر جداً وبرأبي ردع مَن يرتكب أي عمل عنف واجب للحد من هذا لمهزلة بحق الإنسانية، كما تقول يقين يعرب التي تبلغ من العمر (20) عاما “يُعد العنف احد أساليب التأديب الهمجية منذ الأزل حيث يسلك هذا الاسلوب ممن لديه عقد نفسية وضعف بتكوين شخصيته فهو بفعل هذا السلوك يحاول أن يكمل عُقدة النقص لديه ويثبت قوة شخصيته”، وتضيف ” ان الاضطرابات النفسية قد تتحول إلى المُعنف ويصبح كتلة من العُقد ويسلك هذا السلوك نفسه وهنا تحدث الكوارث”.

الأطفال والنساء اكثر الضحايا  

تنتشر ظاهرة العنف في جميع طبقات المجتمع، بغض النظر عن المستوى الاقتصادي أو الجنس أو العمر فهو يشمل جميع الفئات ولا سيما فئة الأطفال تقول شهلاء رحيم شرهان (23) عاماً، “يكون العنف متعمداً لكن في بعض الأحيان يُمارس دون قصد”، وترى هاجر حسين الذي تبلغ من العمر (24) عاماً ان “الكثير من الأطفال الذين يعانون من قلة الثقة او ضعف الشخصية حين يكبرون ستكون لديهم مخاوف من فكرة تكوين أسرة او خوف من المستقبل بسبب ما تعرضوا له في الصغر وعانوا من العنف الأسري، وتضيف ان “العنف يؤثر نفسيا في تكوين الشخصية فالأسرة مهمة جدا في حياة الانسان فهي المدرسة الاولى في لتنشئتهم، وبعدها ينخرطون في المجتمع ويتعاملون مع أقرانهم حسب التربية التي تلقوها داخل أُسرهم”، فيما تقول مريم (24) عاماً، “تنتمي أنا وأخواتي الثلاث إلى عائلة ضعيفة مادياً، تعرضنا لظروف قاسية في حياتنا، والدنا كان قاسيًا وعنيفًا، يرغمنا على تحمل العنف الجسدي واللفظي بسبب حبه القوي للذكور ورغبته في إنجاب والدتي للأولاد”، وتُضيف ان “الغضب والإحباط لعدم انجاب والدتي للأولاد، دفعه إلى تعنيفنا، وكان يعتبرنا بمثابة قيود على حياته”.

قانون رادع

تقول عذراء مجيد (23) عاماً ان “العنف النفسي والجسدي منتشراً، على مواقع التواصل الاجتماعي ويلقى تأييداً من قبل بعض المعلقين للأسف، وهذا دليل على كمية تفشيه في المجتمعات وكأنه مرض او فايروس”، وتُضيف “عدم وجود رادع قوي للعنف وضعف تطبيق القوانين ساعد على انتشاره، فمن أمن العقاب ساء الأدب، فالبعض بدو وكأنهم يُشجعون الآخرين على الاستمرار بارتكاب أفعالهم الشنيعة، في ظل أعذار واهية هو يضعها من يريد أن يبرر العنف لفنسه بحجة التربية او انه المسؤول عن مَن هم أضعف منهم”، وتضيف ان “البيئة الأسرية التي كانت هي ملاذ آمن أصبحت لدى الكثيرين هي المكان الذي يهربون منه بسبب ما يعانونه من تعذيب يصل إلى حد الموت”، وتشير عذرا إلى ان “تطبيق القوانين بشكل فعال على أرض الواقع من شانه ان يقلل من العنف”.

التوعية ضد العنف

تدعو سلمى حسين (42) عاماً إلى “التوعية الاجتماعية ضد العنف وتفعيل الدور الإعلامي الكبير في هذا الشأن من خلال مؤسساته، فضلاً عن توعية الأفراد عِبر مواقع التواصل الاجتماعي بالأمور التي يجهلونها، وتحذير مرتكبي العنف بالعقوبات التي سيلاقونها في حال ارتكاب أعمال عنف وتعذيب الأخرين، كما تقول سهى قصي (25) عاماً ان “تفشي العنف الأسري ظاهرة خطيرة على المجتمع العراقي بشكل عام”، وعليه يجب البدء بتوعية أفراد الأسرة منذ الصغر ضد العنف، فالأسرة هيالبنية الأساسية للمجتمع إذ إنها يجب أن تقوم على أساس الحب والاحتواء العائلي”، وتستدرك حديثها بالقول “لكن ما يحدث للأسف عكس ذلك حيث تتعرض النساء والأطفال إلى العنف سواءً كان لفظيا أو جسديا ونفسيا وهو ما يؤدي إلى التفكك الأسري”، ويرى حسين شاكر (25) عاماً ان “العنف الأسري يشكل مشكلة متفاقمة للعديد من الأسر في الوقت الحالي وله تأثير سلبي على الأسرة باكملها، مما يتسبب في تفكيك العلاقات وفقدان الثقة بين أفرادها” ويعزى شاكر “حدوث العنف الأسري إلى مجموعة من المشكلات والضغوطات النفسية التي يواجهها بعض أفراد الأسر”، ويُضيف “من الضروري أن يؤدي الإعلام دوراً أكثر فاعلية في التوعية بحجم هذه المشكلة والعمل على مكافحتها، من خلال التوعية بمخاطرها، لبناء مجتمع أمن وصحي يحترم ويقدر الأسرة كوحدة أساسية في المجتمع”.

مواجهة العنف

تُناشد الكثير من النساء المُعنفات عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، من أجل انقاذهن من العنف، فيما تلجأ غيرهن إلى دور إيواء المعنفات، أو منظمات نسوية لإيصال أصواتهن، للحد من انتشار العنف الأسري بحق النساء والأطفال، ووضع قوانين صارمة لحمايتهم، فضلاً عن ضرورة نشر ثقافة الحوار للأسرة وتحسين الظروف المعيشية، وفي هذا الشأن تؤكد هاجر حسين “ضرورة تفعيل قانون حقيقي لحماية الاطفال اولاً قبل اتخاذ الاجراءات اللازمة بحق العائلة، وقبل تكوين الأسرة، ليكونوا جاهزين نفسيا من أجل البدء بحياة جديدة وتحمل مسؤوليات جديده فالعامل النفسي مهم وضروري فهو عامل مهم في الحياة”، كما تنصح رقية حسان بضرورة “اختيار الشريك المناسب بوعي ونضج تام لتكوين أسرة متماسكة متصالحة يغمرها الحب والحنان ويكبر فيها الاطفال بحضن وحب والديهم، للحد من التفكك الأُسري في المجتمع”.