مخاطر التسول.. ضحايا يرفضن الحديث عما حل بهن

بغداد/رشا علي
“عمو ساعدني الله يخليك” كلماتٌ ترددها فتاة تتسول ليلاً لم تبلُغ من العمر عشرة أعوام، بهدف كسب عطف سائقي السيارات ورُكاب الحافلات الذين يتوقفون عند أحدى إشارات المرور، لاستجداء المال منهم، قبل أن يتحول كلامها المعسول إلى كلامٍ حاد أثناء محاولتي تصويرها، وتبدأ بضرب زجاجة باب السيارة بيديها الناعمتين، ترافق ذلك نظرة شرسة، جعلت سائق التاكسي الذي كان يقلني يبتسم وسط ذهولي، ليتمتم السائق بصوتٍ خافت ثم يقول: “مَن وضع هذه الفتاة في الشارع أوصاها وغيرها بالابتعاد عن الكاميرات وعدم السماح للناس بتصويرهم لكي لا يتم كشفُ أمرهُن”.
لم تكن هذه الفتاة الصغيرة الوحيدة التي تتسول عند إشارة المرور في بغداد، بل هُنالك آلاف الفتيات تتراوح أعمارهُن بين (9-14) عاماً أو أقل من هذا العمر أو أكثر، إلى جانب عدد آخر من الأولاد، يُشاهدهم كُل مَن يتجول في شوارع بغداد رُغم حر الصيف، ففي كُل إشارة مرور تجدهم كأنهم متفقين على ان لكُلٍ منهم إشارة مرور أو مكاناً مُحدداً لاستجداء المال، مما دفعني للطلب من سائق التاكسي أن يقلني في اليوم التالي إلى تلك الأماكن، بهدف محاولة الحديث مع بعضهُن للتعرف على أسباب تسولهُن، وبقاءهن حتى المساء.
منابع التَسول
ذهبتُ صباح اليوم التالي إلى أحد منابع التسول، وهي منطقة حي البتاوين القريبة من ساحة الطيران في الباب الشرقي، وفي الطريق شاهدت فتاةً عمرها (7) أعوام تجلس على أحد الأرصفة بمفردها، وحين سألتها كيف أتت بمفردها أخبرتني بأن “والدها شهيد وأُمها مريضة فتأتي بمفردها للتسول منذ الساعة السادسة صباحاً”، وأثناء حديثي معها جاءت أختيها الكبيرتين فاطمة (12) سنوات وسارة (13) سنة، وأكدتا كلام الفتاة الصغيرة، وقالت فاطمة انها “تحصل على مبلغ 10-15 الف دينار عراقي”، وحين سألت اغلب الفتيات عن مخاوفهن، لم تُبدي أي منهن مخاوفها إلا من شرطة الأحداث، كما رأيت فتيات يخرُجن من منازلهن القديمة يرتدين ملابس منزل ويضعن على أكتافهن حقائب مصنوعة من القماش، حين نزلت اقتربت مني فتاة مع أختيها وامسكنَ بيدي ورددت كبيرتهُن التي بدا عمرها بين الـ(11-13) عاماً عبارة: “أنطيني فلوس الله يخليك، احنا فُقراء وأبونا مُعوق”، كما طلبت الأُخريات المال أيضاً، وحين نظرتُ إلى أحد الأزقة الضيقة في الحي المذكور، شاهدتُ فتيات أُخريات صغيرات يخرجن من منازلهُن يرتدين ملابس مُمزقة، فتوجهت خلفهُن وسألتهُن إلى أين يذهبن قالت أحداهُن بأنهُن “ذاهبات إلى أصحاب المحال التجارية في الباب الشرقي لاستجداء المال”، وحين توجهت خلفهُن، تحدثت بشأن الظاهرة مع بعض أصحاب المحال التجارية الذين بدا عليهم الاستياء من تردد المتسولات عليهُم يومياً، يقول عدنان محمد (38) عاماً وهو صاحب محل لبيع كاميرات المراقبة “تتردد على محلي عشرات الفتيات الصغيرات فضلاً عن نساء كبيرات في السن لاستجداء المال، فهل من المعقول اننا بلد نفطي وفيه هذا العدد الكبير المتسولات والمتسولين”.
ويلفت احد اصحاب المطاعم في منطقة السعدون إلى “ان هنالك الكثير من الأهالي الذين يسكنون منطقة البتاوين المجاورة لمطعمه او غيرها، كانوا يدفعون بناتهم الصغيرات إلى التسول من اجل كسب المال”، ويُضيف “خلال ايام التظاهرات في بغداد كُنت اشاهد الكثير من الفتيات الصغيرات يخرجن من منازلهن في منطقة البتاوين للتسول في ساحة التحرير، فيما تشهد منطقة الباب الشرقي خلال الفترة الحالية ظاهرة تسول الفتيات اللاتي يسكن أهاليهن قرب السوق الذي يكتظ بالمتسوقين يوم الجمعة وبعض ايام الاسبوع”.
ويؤكد عمر صلاح (33) عاماً وهو صاحب محل لبيع أجهزة التحكم بالستلايت “ان الفتيات المتسولات يأتين من الأحياء القريبة من السوق ومن بينها حي البتاوين لاستجداء المال وتتكرر علينا نفس الوجوه يومياً تقريباً فضلاً عن وجوه جديدة”، وليس ببعيد عن منطقة الباب الشرقي في منطقة الكرادة، يُشير أصحاب محال تجارية هُناك إلى “ان بعض الأشخاص يقلون الفتيات المتسولات بسيارات إلى الأسواق وإشارات المرور لاستجداء المال، ثم يأتون لاصطحابهُن في وقتٍ متأخر مساءً إلى مأواهن في مناطق متفرقة من العاصمة بغداد، كالبيوت والشقق السكنية”، ومن المعروف ان الكرادة من المناطق التجارية المكتظة بالمارة والمحال التجارية التي تبقى حتى ساعة متأخرة من الليل، لذا تكتظ بالمتسولات من مختلف الأعمار.
فيما يقول أحد سائقي المركبات ان “المتسولات يجتمعن في فنادق للمبيت، وتأتي سيارات نقل الركاب في الصباح تجمعهن وتوزعهن على الأسواق وإشارات المرور”، مُشيراً إلى ان “ظاهرة التسول تسبب مُشكلات كبيرة كالسرقة والجريمة فضلاً عن استشراء الفساد في المجتمع”.
مخاطر التسول

تشهد العاصمة بغداد تسول العديد من الفتيات الصغيرات عند إشارات المرور، دون أن تعي أي منهن الخطر الذي يحيط بها في ظل الظروف الأمنية الذي تشهدها بغداد، فمن المُمكن أن يتعرضنَ للخطف من قِبل العصابات، أو يستدرجهن بعض ضعاف النفوس لاغتصابهن، وفي هذا الشأن تقول سعاد محمد (33 عاماً) “كل فتاة تتسول ليلاً مُعرضة للخطف والاغتصاب، في ظل هذه الأوضاع الأمنية المتردية” واستبعدت سعاد “أن يكون لهؤلاء الفتيات أهالي يخافون عليهُن، فليس هنالك عائلة تسمح بتسول ابنتها في الليل” فيما تُشير سونيا عبد الأمير إلى ان “تسول الفتيات حتى وقت متأخر من الليل يؤدي إلى انحرافهُن”، وتضيف “بعض الفتيات المتسولات قد يرتكبن أفعالاً غير اخلاقية، فالشارع فيه الكثير من الأشخاص المشبوهين والمنحرفين”، فما تُحذر هناء رعد من إمكانية تعاطيهُن المخدرات، مُشيرةً إلى ان “بعض ضعاف النفوس قد يدفعون الفتيات إلى تعاطي المخدرات والادمان على الكحول وسلوك طريق الاجرام والسرقة”، وترى بان كاظم (42 عاماً) ان “الفتاة المتسولة ليلاً قد تتعرض للعنف او التحرش الجنسي، وتُحرَم من ابسط حقوقها كفتاة تحلم بأن يكون لديها زوج وتُكون معه أُسرة، بسبب تشويه سمعتها وفقدان كرامتها من قبل ضعاف النفوس، مما يُعرضها للاهانة من قبل الآخرين”.
فيما تصف تبارك أحمد (25 عاماً) الفتيات المتسولات بالمظلومات، مُشيرةً إلى ان “الفقر أهم أسباب التسول، فضلاً عن التفكك الأُسري” وتُضيف “لو كان لهُن أُسر ترعاهُن لما التجأن للتسول، فالشارع هو مأواهُن، لذا يذهبن لطلب العون من الناس دون ان يُدركن مخاطر هذا الفعل”.
طريق الضياع
لم تُدرك ضمياء البالغة من العمر (14 عاماً) انها ستلتجئ إلى التسول لكسب المال حتى تتمكن من رعاية والدها المُعاق، والذي تحملت مسؤوليته بعد وفاة والدتها، فليلس لديهما مصدراً للعيش، حتى التقت ذات يوم أحدى المتسولات في العاصمة بغداد.
تقول ضمياء “التقيت بفتاةٍ متسولة يوماً ما، وحاولت أن أُجرب ما تفعله، ووقفت معها في الشارع لاستجداء المال من المارة، حتى اصبحنا صديقتان، وحين عدت الى المنزل أعطيت المال الى والدي الذي فرح كثيراً، دون أن يسألني من اين حصلت عليه، وطمع بالمزيد”، وتُضيف ضمياء “في أحد الايام ذهبت برفقة صديقتي المتسولة هدير إلى احدى إشارات المرور، ورددت ما تقول – أعطوني من مال الله – باعلى صوتي للحصول على المال من الناس، وكسبنا الكثير من المال، فطمعنا بالمزيد، وحين حل المساء وبينما كُنا جالستين من التعب لتواجدنا في الشارع طيلة النهار تَرجَلَ احد الشباب من سيارته وسألنا عن سبب استجداء المال ونحن فتيات جميلات”، وأضافت ضمياء “بكت صديقتي وقالت له ليس لدينا مُعيل ونسكن في الشارع”، فقال لنا: اركبن معي ولن تحتجن الى المال بعد اليوم وأقنعنا بالذهاب معه “.
تصمُت ضمياء ثم تجهش بالبُكاء مُستذكرةً ما حدثَ لها ولصديقتها في ذلك اليوم بمرارة قائلة “اخذنا إلى منزلٍ صغير أعطانا شراباً مُخدراً ومارس معنا الجنس، ودفع لنا المال ثمناً لسكوتنا، دون ان نعي خطورة ما كان يفعله بنا في ذلك اليوم المشؤوم”، وتضيف “فقدتُ عُذريتي دون أن يشعر أبي بذلك فبعد عودتي إلى المنزل فرح بالمال دون أن يسألني عن سبب انزعاجي”.
ضحايا التسول
لم تكُن ضمياء وصديقتها الفتاتان الوحيدتان اللتان تعرضتا للاغتصاب بسبب تسولهُن في الشوارع، فغيرهُن الكثير من الفتيات اللاتي يرفضن الحديث عن قصصهن، بسبب نظرة المجتمع للفتيات اللاتي يتعرضن للاغتصاب رغم انهن بلا حول أو قوة، وضحية للمجتمع الذكوري، وتُشكل ظاهرة التسول خطراً كبيراً على الفتيات، اللاتي تتزايد عمليات استغلالهن، فرغم الحيل التي تستخدمها المتسولات كالبكاء والادعاء بالمرض، إلا انهن يقعن ضحايا الاستغلال الجنسي أو يتم استدراجهن من قبل أفراد العصابات لارتكاب الأعمال الاجرامية كالسرقة او ما شابه، وفي هذا الشأن تقول الدكتورة نهى الدرويش المتخصصة في علم الاجتماع ان “من السهل استغلال الفتيات المتسولات والاعتداء عليهن، او استدراجهن لارتكاب اعمال مُشينة يرفضها المجتمع” مشيرةً إلى “وجود عائلات متسولة بأكملها، وأهالي بحاجة الى المال، يدفعون بناتهم الى التسول مقابل المال دون ان يعوا خطورة ما قد يحدث لهُن”.
نظرة المجتمع السلبية
فيما ترى نهلة محمد (38 عاماً) ان “المجتمع لا يرحم الفتاة التي تتسول بمفردها ليلاً” وتضيف نهلة “حتى الاشخاص الذين يدفعون فتياتهم الى التسول لديهم نفس النظرة السلبية الى الفتاة، لكنهم وصلوا الى مرحلة اليأس بسبب العوز والفقر الذي يمرون به فضلاً عن دوافع اخرى”، ويرى احد سائقي المركبات ان “ظاهرة تسول الفتيات في الشوارع سلبية وتنتشر بكثرة في شوارع العاصمة بغداد، والمتسولة في الشارع تستغل عواطف المارة للحصول على المال”، محذراً من امكانية استغلال الفتيات الصغيرات اللاتي يتسولن حتى ساعة متأخرة من الليل.
الحد من تسول الفتيات

مع تزايد انتشار الظاهرة بكثرة يدعو المواطنون القوات الأمنة للحد من تسول الفتيات بعد أن ألقت القبض على عدد كبير من المتسولين الصبيان خلا حملات أمنية بين الحين والآخر، لكونهم قادرين على العمل، ويناشد كامل علوان (64 عاماً) وهو أحد سائقي المركبات القوات الأمنية للحد من ظاهرة تسول الفتيات، ويصف علوان الظاهرة “بالكارثة الإنسانية لما تسببه من سرقات وفساد وجرائم منتشرة في العراق”.
وفيما يتعلق بالحلول الجذرية لهذه الظاهرة السلبية يرى الدكتور محمد رشيد ان “الحلول بيد الاهالي اولاً، والذين ينبغي ان لا يُشجعوا بناتهم على التسول في النهار والليل، مهما كان حجم العوز والحرمان، لما يشكله ذلك من خطر عليهن”، لافتاً إلى ان “الحل الثاني بيد عناصر الشرطة المجتمعية الذين ينبغي تفعيل دورهم في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة”، ويتساءل الدكتور رشيد عن “دور اولياء الامور والرقابة الحكومية لمنع هذه الظاهرة السلبية”، داعياً اياها الى “التدخل الفوري للقضاء على هذه الظاهرة السلبية، والاسباب التي ادت اليها كالبطالة والعوز والحرمان”.

اكتشاف المزيد من Rowat ALHadath

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة