بغداد/ شروق صبيح الشمري
تعمل نريمان (18 عاما) كنادلة في أحد البارات الليلية في منطقة الكرادة ببغداد، تبدو شاردة الذهن وسط الطلبات الكثير التي تلبيها للزبائن، انما عليها الاستمرار في عملها وكسب قوتها. أوصلها التسول القسري الى ناد ليلي عن طريق الصدفة، وبقيت تعمل فيه لإدامة حياتها وحياة طفلة صغيرة لها. تبدأ معاناة نريمان عندما انتقلت الى عائلة عمها بعدما توفي أبويها في حادثة سيارة وهي لازالت طفلة صغيرة. وبسبب فقر عائلة العم، تم تزويجها لأول شخص طلب يدها وهي لم تبلغ من العمر الثالثة عشر. تعرضت للعنف والضرب بعد اليوم الأول من زواجها. كان زوجها كما تروي سكيراً ولا يعمل، “تحملت الاذى والإهانة منه، لأني لم ارغب بالعودة الى بيت عمي”. ما زاد من معاناتها هو طلب زوجها ان تنزل الى الشارع لاستجداء المال، ذاك انه كان عاطل عن العمل. “من هنا بدأت معاناتي الحقيقة، فكل يوم احمل طفلتي الصغيرة وارتدي الملابس السوداء والعباءة وتحت لهيب الشمس الحارقة استجدي المال في الكراجات والتقاطعات في مناطق الكرادة والعلاوي واتعرض يوميا الى المضايقات الجنسية”، تقول نريمان.
أوصلتها حياة التسول الى ناد ليلي وبدأت تتقاضى أجور مغرية، الأمر الذي دفعها لاتخاذ قرار الانفصال عن زوجها. تبقي ابنتها مع صديقة لها عند ذهابها للعمل مقال أجر شهري. تتعرض الفتيات اللواتي يعملن في هذه الاماكن وفق رواية نريمان الى الاستغلال من قبل الزبائن ومن قبل اصحاب هذه المحال تحديدا وتقول، “منذ اليوم الاول الذي قابلني فيه صاحب هذا البار اتفقت معه إني اعمل بصفة نادلة او راقصة لكني لا امارس الجنس اطلاقا ومع ذلك لم ينفع الامر فقد أجبرني صاحب العمل على ممارسة الجنس معه “.
تعرضت فرح (16 عاماً) الى نوع آخر من الاستغلال. فبعد انفصال والديها بقيت مع اخوتها الثلاثة الصغار دون معيل للعائلة. والدتها أُمية ولا تملك مهنة تعيل من خلالها أطفالها، الامر الذي دفعت فرح للبحث عن فرصة عمل على مواقع التواصل الاجتماعي، الفيس بوك تحديداً حيث وجدت اعلان على احد الصفحات يطلبون فيه عاملة في مسبح فندق فلسطين مريديان ذات وجه جميل وبعمر العشرينيات. فرحت الفتاة كثيرا وذهبت في اليوم التالي الى الفندق المذكور حتى دون تقديم الاستمارة لمقابلة صاحب العمل. “بعد المقابلة تم تعيني مباشرة في المسبح، صرفوا لي سلفة رواتب ستة أشهر مقدمة”، تروي فرح.
كانت تعتقد في البداية بأنهم تعاطفوا مع ظرفها الصعب، لكن سرعان ما أدركت بأن دفع السلفة كان ورقة ضغط لمساومتها لاحقا، اذ اتضح فيما بعد حسب قولها ان المسبح يحتوي على مركز للتدليل. “ظننت انه للنساء فقط لكن بمرور الايام تبين انه مركز لتدليك رجال، لقد اصبحت امام امر الواقع وبدأت ازاول العمل في مركز التدليك حيث كان يرتاده الرجال واحصل على البخشيش اضافة الى 40 ألف دينار اجر يومي”. بدأت فرح في البار التابع للفندق نفسه دون علم اهلها حيث كانوا يعتقدون انها تعمل مفتشة في المسبح. أقنعها أحد الرجال المرتادين على البار بانه يرغب بالزواج منها وبالفعل تزوجها وانتقلا الى مدينة أربيل. وقد تبين لها بأن الزوج يستغلها ليجني المال.
ان عمل الفتيات القاصرات في النوادي الليلة ليس من أجل الترفيه بقدر ما هو حاجة اقتصادية، انما يعرّض النساء الى متاعب عائلية واجتماعية كثير. وترى الكاتبة والإعلامية سعاد الجزائري ان “مناقشة موضوع القاصرات من الجانب القانوني يتمثل بكون العراق دولة وقعت على اتفاقيات وقوانين دولية ومنها اتفاقية حقوق الطفل التي تناولت موضوع عمالة الاطفال فالاتفاقية تمنع تشغيل من هم دون السن القانوني، ويعد مخالفته انتهاك لبنود الاتفاقية”. وتشير الكاتبة الى ان القاصرة مشمولة بهذا النص، لذلك يعد عملها مخالفة قانونية وان العراق أخل باتفاقية دولية وافقها ووقع عليها، اضافة الى اخلاله ببند ثاني وهو تركها للتعليم بسبب العوز. وتضيف الجزائري، “الجانب الثاني والمهم وهو ارتفاع مستوى خط الفقر بالعراق نتيجة سوء التخطيط الاقتصادي، وانتشار الفساد بشكل مهول، وهذا ما زاد من معدل البطالة وبالتالي انتشار الفقر حتى بين الطبقات المتوسطة التي دفعت ابنائها وبناتها الى سوق العمل لسد الحد الادنى من تكاليف العيش”.
ومن الجانب الاجتماعي اعتبرت الجزائري، بان تدني المستوى المجتمعي في العقود الاخيرة وخاصة بعد 2003، أثر ذلك على الوضع الاجتماعي وتحديدا على المرأة ومشاركتها في العديد من مجالات العمل، او التغيرات التي احدثها البرلمان بالقوانين التي تمس حياة المرأة. وتقول بهذا الخصوص، “ان القاصرات الفقيرات اخذن حصتهن من هذا التراجع فهن امام طريقين، اما الزواج والذي وافق عليه البرلمان واعادنا سنوات الى الخلف، او العمل بأي مجال كان لتنتشل اهلها ونفسها من الجوع”. أما وعي المجتمع العراقي فهو غير جاهز بحسب قولها لتقبل فتاة تعمل في مقهى او مطعم او بار، والذي يعد عملا عاديا في دول أخرى. لذلك برزت ظواهر صاحبت عمل القاصرات وتم استغلالهن بأمور غير اخلاقية وغير قانونية وارباب العمل لهم دور كبير في استغلال القاصر، التي من المفترض اجتماعيا وقانونيا ان تكون تحت حماية اسرتها وقانون الدولة والمجتمع بشكل عام، لكن الفقر والجوع يصبح سيد المأساة ويدفع القاصر ربما حتى أهلها الى الدخول بمطبات خطيرة لمواجهة فقر قاتل.
لا تستطيع القاصر مواجهة وحش الجوع وعملاق التخلف وشراسة فساد الدولة، لأنها الحلقة الاضعف امام هذا الدمار، لذلك تنهار وتستسلم امام اي مورد يوفر لها لقمة عيش ومكان شبه امن، ولكن على حساب كرامتها وصيانة جسدها من المتاجرة. وتشدد الجزائري على “مسؤولية الدفاع وحماية القاصرات تقع على عاتق الدولة والمجتمع، انما الدولة فاسدة والعائلة فقيرة اضافة الى مجتمع لا يرحم، لكنه بارع في نشر الخطيئة”.
تؤكد النائبة السابقة والقانونية ازهار عبدالكريم الشيخلي، على ان “قانون العمل النافذ منع منعا باتاً في المادة 95 / الفقرة الثالثة منه تشغيل الاحداث ليلاً من خلال نص الفقرة: “يحضر تشغيل الاحداث في الاعمال الليلية او المختلطة”، مشيرة الى ان، “عمل الفتيات دون سن الـ(18) غير مسموح في المطاعم والملاهي الليلية من جهتين: الاولى هي الاختلاط والثانية العمل ليلاً”. وتضيف الشيخلي من ناحية العرف، ان ” مجتمعنا لا يتقبل عملهن في هكذا اماكن، فضلا عن مسألة مهمة وهي حالات التحرش التي يمكن ان تتعرض لها وهذا ينطبق على الحدث الذكر ايضا”. وبحسب الشيخلي ان العقوبة التي تواجه صاحب المطعم او البار في حال تشغيل القاصرات هي عقوبة مخففة جدا للأسف وهي عبارة عن غرامة مالية لا تقل عن الـ 100 ألف دينار عراقي ولا تزيد عن الـ 500 ألف دينار وهذه غرامة بسيطة مقارنة مع الواردات العالية لتلك الأماكن، مقترحة زيادة المبلغ بحيث لا يقل عن المليون دينار ولا يزيد عن 10 ملايين دينار”.
وكشفت الناشطة والاديبة ايناس البدران عن احصاءات مؤكدة تفيد بوجود أكثر من مليونين أرملة وخمسة ملايين يتيم وأربعة ملايين امرأة غير متزوجة تركن بلا دعم حقيقي، اضافة الى ارقام مشابهه تشير الى اختفاء أرباب الاسر لأسباب متعددة. وتقول البدران، “لكل هذه الأسباب اضطر العديد من النساء الى امتهان اعمال قاسية، ناهيك عن تعرضها للاستغلال والعنف بكل اشكاله اللفظي والجنسي والوظيفي والأسري والمجتمعي”. ان عمل المرأة ضرورة ملحة وليس ترفاً برأيها، خاصة بعد ان اصبحت المعيل الاساسي لأكثر من 40% من الأسر الأمر الذي يستوجب وضع قوانين لحمايتها وخطط استراتيجية لتمكينها في التعليم والعمل وتشجيعها على إقامة مشاريعها الصغيرة عبر تقديم السلف الخالية من الفائدة وتغيير الصورة النمطية المتخلفة التي تعيق حركتها وتقدمها وتوعية المجتمع بضرورة احترام عملها.
وتعقيباً على ذلك تقول النائبة ميسون الساعدي رئيسة لجنة المرأة والاسرة والطفولة النيابية، في مجلس النواب العراقي منتهية دورته “حاولنا في اللجنة ان نجد حلا لتلك الشريحة من الفتيات العاطلات عن العمل من خلال التنسيق مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بتكوين مشاريع صغيرة وقد تم العمل بها لصالح خريجات الإعدادية ومعاهد وكليات الزراعة والطب البيطري والعلوم الزراعية الأخرى”. وفيما يخص تشريع قانون يحمي تلك الفئة من المجتمع، تؤكد الساعدي ” قدمنا مقترح بسيط الى اللجنة القانونية يدخل ضمن قانون العمل والضمان الاجتماعي او اي قانون ممكن ان يخدم هذه الفئة، لكن لم يحالفننا الحظ اذ قدم بوقت متأخر”.
وفيما يخص قانون الضمان الاجتماعي تشير الساعدي، ان لجنة العمل والشؤون الاجتماعية تعمل لأنهاء هذا القانون ولإكمال التصويت عليه للحفاظ على حقوق العاملين في القطاع الخاص وسنحاول خلال الجلستين الاخيرتين من الدورة البرلمانية الحالية على اقراره.
بالنسبة للنائبة ريزان شيخ دلير عضو لجنة المرأة والاسرة والطفولة النيابية، يكمن الخلل الاساس في عدم تشريع قانون لحماية الطفل من اول يوم ولادته حتى بلوغه الـ 18 عشر عاما لهذا اغلبهم معرضين الى الاستغلال”، واضافت دلير، “حاولنا خلال هذه الدورة النيابية السابقة الى تشريع قوانين مناهضة العنف الاسري وقانون حماية الطفل ولكننا لم نتمكن من ذلك و نتمنى تشريعهما بالدورة الانتخابية القادمة”.
