تفاقم العُنف الأُسري في زمن الكورونا يُسهم في تشريد الفتيات
بغداد/ انتصار صاحب
سلَكتُ هذا الطريق، الذي لا رجعة فيه، بعد ان كنت اعتقد ان هروبي من أهلي سُيخرجني من عُزلتي، لكني دخلت في عالمٍ مُظلم، تقول (سحر) وهو الاسم المستعار للفتاة الثلاثينية التي تخوفت من ذكر اسمها الحقيقي خوفاً من أهلها.. تصمت الفتاة لثوانٍ كأنها لا تريد ان تقول كل شيء، ثم تكمل حديثها “عانيت من ضغطٍ نفسي وعنف أُسري كاد ان يودي بحياتي، مما دفعني إلى الهرب من المنزل إلى المجهول”.
أسباب التشرد
تعددت اسباب التشرد والطريق واحدُ، فَلَم يكُن الضغط النفسي هو السبب الوحيد لهروب الفتيات من الأهل، فبعض الفتيات قد يعشن ظروفاً عائلية صعبة قد تدفعهن إلى الهروب، وترى منال (٤٦) عاماً ان “شعور الفتيات بالغربة بين أهلهن، لعدم تقربهم من بناتهم، فضلاً عن سوء معامتلهن وعدم مساواتهن بإخوتهن وعدم احترام رأيهن، كلها أسباب قد تؤدي إلى عُزلة الفتيات، وقد يتم استغلالهن من قِبل بعض ضعاف النفوس”، وتضيف منال “تغذي هذه الأسباب البسيطة العنف الأُسري المُمارس بحق الفتيات، فيما تبحث أُخريات عن الحرية الزائفة ومغريات الحياة وبالتالي قد تهرب من أُسرتها”، وتشير منال التي تسكن العاصمة بغداد إلى ان “صديقة ابنتها غادرت منزل أهلها وهي بعمر السابعة عشرة؛ للخلاص من عنف الابوين” وتضيف ان “الأب كان يتعامل بقسوة أكثر من الأُم مع ابنته المراهقة وحبسها في حُجرة، إلا أنها استغلت الفرصة المناسبة وتركت المنزل وهو لا زال يبحث عنها منذ شهور”.
فيما يرى احمد طارق ان “هنالك أسباب أخرى قد تؤدي إلى تشرد الفتيات، كالعوز والحرمان، والاهمال من قِبل افراد الأسرة، فضلاً عن التعامل مع الفتيات بقسوة”، أما نبأ وسام فترى ان “من اهم الأسباب التي تؤدي الى تشرد الفتيات، ضعف الوعي واعتماد الاهل على العادات والتقاليد القديمة في الزواج، مما يؤدي الى اختلاف وجهات النظر بين الأبوين والأخوة الكبار مع الفتيات لإجبارهُن على الزواج دون رغبتهن، أو احترام وجهة نظرهن”.
فيما ترى رفل احمد ان “ضعف العلاقات الأسرية والخلافات بين الزوجين قد تؤدي إلى انفصال الأبوين عن بعضهما، وعدم الانتباه الى بناتهم ويغيب الحب والحنان العائلي، مما يؤدي إلى شعور الفتيات بالعُزلة، وبالتالي يبحثنَ عن عالمٍ آخر ملئ بالحب والحنان، كالذي يُشاهدنه في الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي”، وتضيف ان “بعض ضعاف النفوس يستغلون الفتيات في سن المراهقة عِبر مواقع التواصل الاجتماعي” مشيرةً إلى ان “هؤلاء يتلاعبون بمشاعر الفتاة وتتطور العلاقة الى حد تهديدها بنشر صورها أو الهروب معهم إلى مكان آخر”.
مواقع التواصل الاجتماعي أسهمت في التشرد
انزوت الكثير من الفتيات في عالم التواصل الاجتماعي، للحديث مع شباب غرباء داخل البلد أو خارجه، فمواقع التواصل التي استثمرها الناس للتقرب من بعضهم البعض رغم بعد المسافات داخل البلد الواحد، أستغلها ضعاف النفوس لاستدراج الفتيات إلى أماكن مشبوهة يديرونها من أجل الحصول على المال، وتروي أحدى الفتيات ان “احد الأشخاص الذي تعرفت عليه عِبر الفيسبوك دمر حياتها بعد أن كانت تعتقد انه يحبها”، وتضيف أحلام (22) عاماً “تبين فيما بعد انه يمتلك فندقاً صغيراً في بغداد، ويستدرج الفتيات بعد أن يهددهن بنشر صورهن على الفيسبوك”، تجهش الفتاة المسكينة بالبكاء ثُم تتحدث بمرارة “يا ليتني لم أعمل حساباً على الفيسبوك، ويا ليتني لم أثق بهذا الشخص وأرسل له صوري، دمرني ودمر مستقبلي”، وتضيف “هددني بنشر صوري إذا لم أدفع له المال، فاضطررت للهرب من المنزل “.
ويروي علي قصة تعرضه للسجن بسبب إدلائِه بمعلومات الى والد احد الفتيات التي هربت من منزلها في كربلاء، ويقول علي (٢٤) عاماً ان “بعض اصدقائِه استدرجوا فتاةً لم تبلغ العشرين من العمر عِبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأقنعوها بالهرب من بيت والدها الطبيب في كربلاء إلى بغداد وأسكنوها في فسحة معزولة داخل محل الحلاقة الذي يعملون فيه ” ويضيف “أبلغت والدها عن مكانها بحسن نية لكنهم عرفوا الأمر وحاولوا تهريب الفتاة إلى أربيل لأنها كانت متخوفة من مقابلة والدها”، ويستدرك علي “لكن سُلطات إقليم كردستان تدقق في هوية كل شخص يدخل عِبر منافذها، لذلك سُرعان ما كشفوا أمر الفتاة والشباب واحتجزوهم عند نقطة التفتيش”، ويضيف علي “لو لم يمسكوا بهم لما خرجت من السجن، لأني واثق من برائتي من قضيتها، واتصلت بوالد الفتاة الذي تعرفت عليه عِبر صفحته على الفيسبوك ليستعيدها، لأن الطريق التي كانت تنوي أن تسير فيه مجهول، وبعض الشباب ذئاب لا يرحمون الفتاة التي لا أهل لها، ويمكن أن يستغلونها ويعتدون على شرفها”.
حكايات الأصدقاء والجيران
تستذكر زهراء (٢٤) عاماً قصة صديقتها المسيحية أسيل التي “هربت من بيت اهلها، لأنها كانت تحب زميلها المسلم علي في نفس الجامعة، والذي رفض اهلها تزويجها منه”، وتضيف “استيقظ أهل الفتاة في صباح احد الأيام ولم يجدوها في المنزل، وبعد أن شاهدوا تسجيلات الكاميرات، لاحظوا ان ابنتهم خرجت بمفردها دون أن يعرفوا، وعلمنا فيما بعد انها سافرت إلى خارج العراق برفقة حبيبها وتزوجت منه”، وتشير زهراء إلى ان “الكثير من العائلات المسلمة والمسيحية لم تعارض الزواج بين شخصين رغم اختلاف الديانات، إذا كان الشخصين يحبان بعضهما، وعندما لا توافق بعض العائلات على الزواج لاختلاف الديانات يعمل غيرهم المستحيل للزواج”.
فيما باءت محاولات فتاة أخرى بالفشل، بعد ان فعلت كل شيء لتهرب مع حبيبها، حسب ما يذكر جارها احمد (٢٧) عاماً، ويُضيف “كانت ايناس تتعرض للضرب من قبل الاهل والاقارب لمنعها من زواج حبيبها، وشتموها وقصوا شعرها”، واستدرك قائلاً “في احد الأيام لم تكن في المنزل معها سوى جدتها فهربت إلى منزل حبيبها، وقبل ان يحل الليل اتصل شاب آخر بأهلها ليدلهم على مكانها، وأُجبرت على العودة وتعرضت للضرب المُبرح”، واضاف “بعد مرور فترة من الزمن، جاء اليوم الذي تزوجت فيه ايناس من شاب آخر لتخرج من السجن الأُسري”.
هذه الحكايات حدثت في وقت غير بعيد، لكن مع تفشي وباء كورونا تفاقمَ العنف الأُسري في المنازل بسبب الحجر الصحي، فأما الانتحار أو الهروب إلى المجهول.
وباء كورونا يُسهم في تشريد الفتيات
أسهمَ وباء كورونا في تفاقم العنف الأُسري ضد الطبقة الأضعف في المجتمع، ألا وهي النساء والأطفال، وفي ظل الحجر المنزلي خلال وباء كورونا تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الكثير من أحداث العنف التي انتهت بعضها بشكلٍ مأساوي، فبعض النساء أقدمنَ على الانتحار بإطلاق النار على أنفسهن أو بحرق أنفسهن، فيما هربت أُخريات إلى الشوارع، وأحياناً ينتقلن من محافظة إلى أُخرى لاستجداء المال، لكن الشوارع لا ترحم، إذ تم استغلال الكثير من الفتيات من قبل ضعاف النفوس.
تتخوف الفتاة ذي الـ(12) عشر عاماً من توجيه كاميرا هاتفي المحمول نحوها، فحين اخبرتها اني لن أصورها إلا بموافقتها، روت لي حكايتها “انا وأُختي محتجزتين لديهم وننفذ كل ما يطلبون منا، ففي النهار نستجدي المال وفي الليل نذهب إلى الملهى”، وتضيف الفتاة المسكينة التي ترفض الكشف عن اسمها “أنا وأُختي هربنا بسبب العنف الذي كنا نتعرض له من والدنا والذي تزايد بسبب جلوسه في المنزل بلا عمل خلال أيام الحجر الصحي، وانتهى بنا المطاف إلى الشارع، واصبحنا تحت رحمة هؤلاء السفلة الذين وفروا لنا المأوى بعد أن انتقلنا من أحدى المحافظات الجنوبية إلى بغداد”، وتمتلئ شوارع العاصمة بغداد، بآلاف الفتيات المُشردات من مختلف الأعمار، واللاتي يستجدين المال حتى ساعة متأخرة من الليل.
وفي مساء أحد الأيام عندما كنت أستقل سيارة تاكسي، توقفنا في أحدى تقاطعات بغداد بسبب ازدحام السير، واقتربت احدى الفتيات الصغيرات التي لم تتجاوز الـ(11) عاماً من النافذة وطلبت المال، وحين وجهت كاميرا هاتفي المحمول نحوها بدأت بضرب سيارة سائق التاكسي بقوة، وقالت بغضب “لا تصوريني” وما كان علي إلا أن أبتسم وأسألها بلطف “ماذا تفعلين هنا؟ ولماذا تستجدين المال في المساء؟ ألا يشكل هذا خطراً عليكِ؟” فردت بغضب “هذا أمر لا يعنيك” واتجَهَت إلى سيارة أُخرى، لطلب المال، وبدت وهي فرحة بما تحصل عليه دون أن تُدرك حجم الخطر الذي ينتظرها، فهي مُعرضة للخطف، وقد لا يحميها الأشخاص الذين يلتزمونها ويقفون على مقربة منها، وفي هذا الخصوص تُشير الناشطة نور محمد إلى ان “الفتيات الصغيرات عرضة للكثير من المخاطر في حياتهن الطبيعية” وتتساءل نور قائلة “كيف الحال بالمشردات في الشوارع؟”، وتضيف ” أشاهد الكثير من الفتيات في الشوارع، وهذه الظاهرة اتسعت بعد انتشار وباء كورونا” مشيرةً إلى ان “هنالك الكثير من العائلات تدفع بناتها للاستجداء في الشوارع، وهنالك أمهات مع بناتهن عند تقاطعات الشوارع يستجدين المال، وأخريات يطرقن أبواب الناس والمحال التجارية في المناطق السكنية، بعد توقف مصدر رزق رب الأسرة بسبب الأزمة الاقتصادية في ظل وباء كورونا المستجد (كوفيد 19)””.
ويرى عبد الرحيم محمد (24) عاماً ان “فقدان بعض أرباب الأُسر لعملهم الذي كانوا يمارسونه قبل ازمة كورونا، انعكس على نفسيتهم مما جعلهم يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة تحدث في المنزل، مما ينعكس على معاملة الأبناء بقسوة، في ظل هذه الظروف” ويضيف ان “عدم قدرة الأب على تغطية نفقات الأُسرة أدى الى نفور الابناء من المنزل وخاصه الفتيات اللاتي اصبحن مشردات في الشوارع بدافع من الأهالي أحياناً لاستجداء المال”.
وترى نور سعد ان “الحجر الصحي الذي فرض على المواطنين أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي لرب الأسرة، مما وضعه في ظروف صعبة قد تدفعه إلى ممارسة الضغط والعنف ضد أُسرته” مشيرةً إلى ان “الفتيات والأُم أكثر عرضة للعنف، مما يدفع الفتيات إلى الهروب من المنزل أو التفكير في ذالك على أمل الخلاص من العنف” وتستدرك نور حديثها “لكن التشرد اصعب بكثير من العنف الأسري”.
ويبقى التشرد عالم مجهول في العراق والكثير من دول العالم، خصوصاً بالنسبة للفتيات، فالعصابات المنظمة والجماعات الإرهابية قد تستغل المشردين من كلا الجنسين، فيما قد تستغلهم جهات غير شرعية، فضلاً عن ان المرأة أكثر عرضة للخطر إذ قد تتعرض للاعتداء الجنسي من قبل ضعاف النفوس، وهنالك الكثير من الفتيات اللاتي دخلن في عالمٍ مُظلم بسبب تشردهن من أهلهن ويحلمن بالعودة إلى حياتهن الطبيعية، لكن المخاوف من غسل العار تمنعهن من ذلك، فضلاً عن ان العودة إلى الوراء باتت صعبة.
