بعد جائحة كورونا في العراق… وظائف النساء في خطر

نساء مُحبطات وخائفات وأُخريات يَنشُرنَ التفاؤل

بغداد/ أسيل ناصح

تُطالعك بابتسامةٍ لطيفة وتقترب منك ببطء محاولةً مساعدتك بإيجاد ما يناسبك من كريمات او مستحضرات تجميل وعطور وتقترح عليك الانسب سعراً، وتبحث لك بين خيرات متعددة عن ما يُرضي ذوقك من بضائع وغيرها لتغادر المتجر وانت تشعر بالرضى، بعد أن تمنحك ابتسامة اكبر وكأنها نجحت في تحقيق غرضها… انها البائعة الودودة التي تبحث عن رضى زبائِنها، لأنه واجبها الذي حدده لها رب العمل لتنال رضاه هو الآخر.. لكن هذا الجهد لم ينفعها، فهي الآن عاطلة عن العمل والسبب هو (كوفيد 19) الذي أصاب مختلف مفاصل الحياة بالشلل، خصوصاً في العراق الذي يمر بأزمات مستمرة، حتى وصل الامر الى قطع الارزاق.. فمدير العمل او صاحب المتجر لم يكتفي بقطع رواتب موظفيه خلال فترة حظر التجوال، وانما قرر الاستغناء عن بعض العمال والعاملات ليوفر بعض المال ويحافظ على ديمومة المبيعات وبهذه الطريقة تَقَلص عدد العاملات الى النصف في ظل انخفاض القوة الشرائية ليكتفي الناس فقط بالسلع المهمة.
موظفات بلا عمل
تقول (هاجر أحمد) 27 عاما وهي موظفة سابقة في متجر متخصص بالمكياج والعطور …انها “لم تفاجئ بقرار اغلاق المولات والمحال التجارية خلال حظر التجوال” وتستدرك حديثها بالقول “لكن الصدمة بدأت عندما توقفت دورية شرطة في باب المتجر لتغلقه ويبدأ معها الشعور بالخوف والقلق”، وتضيف “حاولت اقناع نفسي اني سأنقطع لأيام ثُم أعود الى عملي، لكن مرت شهور وبدأت الديون تتراكم علَيَّ وانا جالسة في المنزل حتى طالت المدة اكثر من خمسة شهور وتزايد خوفي من الغد الذي لم أعد أحتمل انتظاره” وتؤكد انها “كانت تعتمد على الراتب الشهري لتغطية نفقات المعيشة، فمنذ ذلك الحين أنا بلا عمل ومما يفاقم الوضع اكثر هو الجلوس في المنزل دون عمل أي شيء فضلاً عن المخاوف بين الحين والآخر من الوباء ومن سلالاته المتحورة”.
العاملة التي تم الاستغناء عن خدماتها تمتلك تركة ثقيلة متمثلة بالتزامات مادية لها اول وليس لها اخر تتمثل ببدل الايجار وفواتير الكهرباء والماء والانترنت ومتطلبات المنزل الاخرى كالطعام والشراب، ومستلزمات الحياة الاخرى واذا كانت عائلتها كبيرة فالمشكلة اكبر لتبقى وحدها تبحث عن حلول مؤقتة لمشكلة فرضت واقعا مغايراً لحياة الناس عن ما كان قبل تفشي الفايروس.
وعلى الصعيد النفسي تعانى الكثير من النساء العاطلات عن العمل من اوضاع نفسية سيئة فالجلوس وانتظار المجهول الذي يبدو مرعبا في قادم الأيام، يُزيد الامر صعوبة كلما طالت المدة في ظل حياة توصف بالغلاء المستمر خصوصا في زمن فايروس كورونا والأزَمات الاقتصادية المتجذرة، في بلدٍ كالعراق.
ولمدربة الجم النسائية حصتها من البطالة عندما امرت وزارة الصحة العراقية بإغلاق صالات الرياضة كإجراء احترازي ضد انتشار الفايروس، تقول المدربة (منى جاسم) 32عاما انها “كانت تعتقد ان الموضوع في البداية بمثابة اجازة اعتيادية قصيرة” وبأنها “ستأخذ قسطاً من الراحة خلالها للتهيء نفسيا الى مرحلة ما بعد الاجازة، وتعيش التجربة كباقي الناس الذين فُرضت عليهم إجازة إجبارية” وتعبر منى عن “شعورها بفراغ كبير بعد مرور الشهر الأول من جلوسها في المنزل” وتضيف “الأموال بدأت تنفذ مني مما أشعرني بالقلق الحقيقي، فجزء من مصاريف العائلة كان من حصتي وحالتي النفسية هنا بدأت بالتدهور، خصوصاً بعد أن باءت محاولات إيجاد فرصة عمل أُخرى بالفشل، حتى خارج مجال الرياضة” ، وتشير منى “بعد مرور شهور على الحظر، استنفذت جميع أموالي وطاقتي النفسية، ثم عُدت الى عملي من جديد بعد انتهاء الحظر” وتبدو مُدربة الجم قلقة لأن الأمر ليس كما في السابق، وقد تفقد عملها من جديد في حال حدوث أي طارئ.
تقول سهير الجميلي (٢٨) عاماً “كنت موظفة في مطار بغداد، وحين بدأت جائحة كورونا اضطررت لترك العمل بسبب اغلاق المطار واعتشت على ما متوفر لدي من مال، وحين تحسن الوضع وفُتحت المطارات حاولت العودة إلى عملي لكنهم اخبروني انهم سرحوني، وهذا ما حدث مع الكثير من النساء في مختلف الدوائر بسبب تقليص أعداد الموظفين بعد جائحة كورونا” وتضيف سهير “لا زلت أبحث عن عمل والخوف لا زال يتملكني بسبب خوفي من العمل في مكان آخر لا أعرف إذا ما كان أحد العاملين فيه مصاباً بالوباء، فضلاً عن فرض لبس الكمامات والكفوف، وأشياء أخرى تقيدني وتبقيني متخوفة” وتشير سهير إلى ان “الشركات تتخوف من الموظفين الجدد وتقلل من أعدادهم” مضيفةً ان “الوضع ليس كما كان في السابق، عندما كنا نحصل على فرص عمل، فالكثير من الشركات والمؤسسات تقول نحن لسنا بحاجة إلى موظفين، لأن جائحة كورونا أثرت على جميع الشركات والدوائر فليس بإمكانهم تعيين موظفين أكثر لأن مبيعاتهم قليلة لذا من الصعب ان يصرفون لهم مرتبات وظيفية”، وتختم سهير حديثها بحسرة “أعيش ظروفاً صعبة أنا والعديد من الفتيات”.
محاميات بلا موكلين
لم يقتصر الامر على فئة العاملات المنضويات تحت خانة المشاريع الاهلية غير المضمونة الربح وانما تعداها ليصل الى فئة النساء المعيلات لأنفسهن بصورة مباشرة كالمحامية (شروق جعفر) 31 عاما التي يرتبط عملها مع موكليها بمواعيد جلسات قضائية داخل اروقة المحاكم المختلفة، وتقول شروق “منذ بداية الحظر المفروض بسبب وباء كورونا، شعرت بالقلق لارتباطي مع الموكلين بمواعيد لمتابعة قضاياهم، وأدركت ان الأمر سيبدو أكثر صعوبة” وتضيف “مع اغلاق المحاكم ابوابها لم يكن امامي سوى الانتظار وفي ذات الوقت كان شبح الكمامة والمعقمات يطاردني فكنت افكر بمخاطر الاحتكاك بالناس في ظل انتشار الوباء”، وتستدرك قائلة “لكن معاناتي الحقيقية بدأت عندما جلست في المنزل بلا عمل، مما أثر على نفسيتي بشكل كبير، لأني شعرت حينها ان المورد الوحيد للمال قد انقطع وأصبحت عاطلة عن العمل، وسأجلس فترة طويلة بلا عمل”، وتشير إلى ان “البطالة الإجبارية امر سيء يؤثر على النفسية بشكل سلبي” وبحكم عملها كمحامية وترافعت في الكثير من القضايا، ترى شروق ان “ففقدان الناس للمال وشعورهم بالإحباط قد يدفعهم الى الجريمة والسرقة للحصول على مورد مادي لينفق الانسان على نفسة ويحصل على الغذاء”، معربةً عن اعتقادها ان “جرائم السرقة ستزداد في ظل الحجر الصحي المفروض بسبب وباء كورونا”.
محاولة الحصول على عمل في مكان اخر لن تكون سهلة في ظل ازمة اقتصادية خانقة فرضها الفايروس على حياة الناس والعمل في ظل ظرف يبدو انه مسالة حظ جيد او خبرة جيدة اوحسب اقتناع رب العمل، فالكثير من النساء جلسن عاطلات عن العمل ولم يستطعن الحصول عمل جديد او العودة الى عملهم الاصلي والسبب ان الازمة الاقتصادية دفعب ارباب العمل الى الابقاء على عدد قليل من العاملات للاقتصاد مادياً اكثر.
استثمار الإنترنت للبيع ونشر التفاؤل
لم تكن ازمة فايروس كورونا مؤذية للجميع وكان لها جانبها المشرق على بعض النسوة اللاتي استطعن البيع والشراء عبر شبكة الانترنت، إذ ارتأت الكثير من النساء الترويج للسلع والبضائع عِبر الانترنت، وأُخريات نشرن التفاؤل والأمل.
اقتصر البيع في ظل حظر التجوال على التوصيل، كالطعام والملابس، فلم تتوقف الكثير من النساء عن شراء الملابس حتى في ظل الحظر، فالفراغ يدفع النساء المتمكنات مادياً والموظفات اللاتي لم تنقطع رواتبهن إلى الشراء، وترى سناء محمد ان “متطلبات المظهر الاجتماعي مطلوبة، والكثير من النساء يرغبن بالظهور بمظهر لائق كما اعتدنَّ بعد انتهاء الحظر، لإشعار الآخرين انهن لم يتأثرن بشيء، لكي يعاودن العمل من جديد” مشيرةً إلى ان “بعض الاعمال تعد المظهر جانبا مهما للمراة لكي تحصل على وظيفة، لذا فالنساء لم يتوقفن عن الشراء”.
وتقول سناء جعفر 25 عاما ان “صاحب المتجر الذي كانت تعمل فيه اشترى بضاعة جديدة قبل الحظر، لذا عملنا على بيعها عِبر الانترنت، وتسوقت الكثير من النساء عِبر الصفحة التي تم تخصيصها على الانستاغرام، وتمكنا من بيع كمية كبيرة”، مشيرةً إلى ان “الجلوس في المنزل بلا عمل أمر في غاية الصعوبة لا يمكن احتماله، لذا استثمرنا الانترنت وكان لدينا شباب يوصلون البضاعة”.
أما الشيف (ام يوسف)36 عاما، فتقول انها “استطاعت اعالة نفسها وعائلتها لانها استمرت بكسب ثقة زبائنها عن طريق الاهتمام بنظافة وطعم الوجبات التي تبيعها في زمن اغلاق المطاعم” وتضيف انها “حققت ارباحا جيدة واستطاعت التوسع نسبةً الى تزايد الاقبال على وجباتها النظيفة والذيذة”.
وتشير أم يوسف إلى ان “بعض المطاعم اضطرت إلى الإغلاق في فترة حظر التجوال لذا عملت على اعداد وجبات سريعة لتوصيلها إلى زبائنها الذين لا زالوا يتذوقون طعامها”،
ورغم ان فترة كورونا كانت صعبة على اغلب الناس عملت بعض النساء على نشر التفاؤل والأمل، وتشير ريم محمد 29 عاما وهي صاحبة احدى المواقع المشهورة “ان من أصعب المراحل التي مررت بها في حياتي، هي حظر التجوال، والناس كانت لديهم مخاوف كبيرة ويحاولون أن يخصصون ما يمتلكون من مال للطعام فقط، فضلاً عن شراء مستلزمات طبية كالكمامات والمعقمات”، وتضيف “على هذا الأساس فكرت بما ان عملي توقف بسبب حظر التجوال ويُفتح يوم واحد في الأسبوع، بدأت بصنع مواد التعقيم كالكحول والمعقمات الأخرى ومن بينها الشاور جل، وعرضت ما صنعت أمام الناس عِبر مواقع التواصل لأعلمهم طريقة التعقيم وكيفية تغليفها، مما أشعرهم بالراحة”، وبعد فتح حظر التجوال جزئياً ليوم أو يومين في الأسبوع، استكملت ريم عملها بشكل اوسع، الذي يعتمد على المصداقية ومقدار طموحها، وتضيف ريم “الحمد لله نجحت في عملي وأصبح لدي أسم جميل موثوق به، ولدي الكثير من المتابعين عندما افتح بث مباشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي وانشر قصص يرون فيها عملي وطريقة التعقيم، وهذا اعتبره نجاح وكفاح”، مشيرة إلى ان “الكثير من النساء عملن من داخل منازلهن وأصبح لكل منهن أسماً رائجاً في مواقع التواصل رغم حجرهن في منازلهن بسبب حظر التجوال”.
أزمة ما بعد الحظر
رغم مرور شهور على حظر التجوال الذي فرض بسبب وباء كورونا، إلا ان الآثار الاقتصادية لازمة فايروس كورونا، لم تتوقف عند هذا الحد، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها، إذ تركت غصة داخل قلب ونفسية كل امرأة عاملة لم تحسب حسابها لشهور طوال قضتها في المنزل، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية المتوالية في العراق، فالكثير من النساء ينتظرن المجهول في المنزل بعد تسريحهن من عملهن منذ بدء انتشار الوباء، فكل امرأة لا زالت تفكر الف مرة في كينونة وجودها وتبعيتها لرب العمل فنموذج المرأة المعيلة لنفسها من مشروعها الخاص يلاقي رواجا في ظل عودة الحياة الى المولات والمراكز التجارية ويبقى رأس المال هو العائق الاكبر وليس الوحيد نحو تحول هذه المرأة من مجرد عاملة الى صاحبة مشروع تحقق الربح من مبيعاتها.

اكتشاف المزيد من Rowat ALHadath

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة