بغداد/ انتصار الميالي
مع كل مظاهر التقدم والانفتاح والاحاديث التي تدور عن التطور الاجتماعي والثقافي في العراق، إلا انها لم تتمكن من ايقاف بعض التقاليد التي تتسبب بتعنيف النساء والفتيات والحكم على حياتهن بالموت مثل ( النهوة ).
( النهوة العشائرية ) تقليد وعرف عشائري موجود في الكثير من المدن والقرى العراقية خصوصا في المناطق الجنوبية، وان كانت بنسب يراها البعض ضئيلة جدا في الوقت الحالي ، لكنها سائدة في المناطق المحكومة قبلياً والتي طغى عليها غياب الوعي ، تلك المجتمعات التي تعيش فيها النساء أوضاع مأسوية علماً ان الكثيرين يؤكدون بأنه عرف مخالف للدين.
كثيرا ما تشهد المناطق الشعبية والعشائرية مشاكل اجتماعية أو أقتصادية تتفاقم بين عائلتين أو عشيرتين وتكون النساء والفتيات معرضات للانتهاك حيث تكون المرأة ضحية لأخطاء يرتكبها الرجال دون الاهتمام بأنسانيتها وما تتركه هذه الممارسات الخاطئة من آثار نفسية على الضحية حيث يتم منع وحرمان المرأة أو الفتاة من حق الزواج بسبب اعتراض الاقرباء من الدرجة الاولى ( العم وابن العم ) حتى وأن كان متزوجاً أو ان هناك فارق في العمر ، وليس بالضرورة ان يتزوج ابن العم من ابنة عمه التي نهى عليها ، لكن الأهم هو فرض ارادته في منع زواجه.
ضحايا منسيات بلا ضمانات أو حماية
عند مجيء فايروس كورونا وفي ظل اجراءات الحظر المشددة للوقاية من مخاطر انتشار الفايروس ، خرجت فرق تطوعية جوالة لمنظمات المجتمع المدني برفقة الشرطة المجتمعية من اجل التوعية بمخاطر الفايروس وتقديم الارشادات الوقائية للاهالي في مناطق واسعة من بغداد، بالإضافة إلى توزيع المعقمات ووسائل الحماية وسلات المواد الغذائية ، حيث اصطدم فريق العمل التطوعي بوجود مجموعة من النساء اللواتي وقعن ضحية ( النهوة ) وكن مسلوبات الارادة محرومات من ابسط حقوقهن في العيش الكريم، وفي احدى القرى المحاذية لنهر ديالى أستقرت احدى النساء وحيدة في سكن صغير عبارة عن غرفة هي منام وجلوس ومطبخ بالإضافة إلى حمام صغير بلا سياج أو سور يحميها من المخاطرالمحتملة ، دون معيل أو حماية أو ضمانات نتيجة للنهوة عليها من قبل احد ابناء عمومتها الذي حرمها من شبابها وحياتها الاجتماعية ، بينما اختار هو حياة أفضل له ، هنا أثيرت الكثير من التساؤلات اين العشيرة والدين والدولة من حماية ضحايا العادات والتقاليد العشائرية الظالمة والتي تدفعها ثمنها النساء؟
وجهات ورؤى دينية وعشائرية
ويرى باحثين في مجال الدين ، ان النهوة من حق ابن العم في أن يتزوج من ابنة عمه اذا كان راغباً بها، ولا يحق لشخصٍ آخر أن يزاحمه عليها، خصوصا إذا كان الخاطب غريبا من خارج العشيرة نفسها ، ولايمكن للخاطب ان يخالف رأي العشيرة التي تنتمي لها الفتاة وفي حال تصرف عكس ذلك سيكون معرضا لمشاكل كثيرة قد تصل للقتل احيانا كثيرة ، وتكون العشيرة صاحبة الحق في هذا التصرف بحيث انها تكون غير ملزمة بدفع دية القتل وأن ثبتت، كما يضيف أحد الباحثين : ان النهوة عرف سائد وقديم ولايمكن للفتاة مخالفته والا تعرضت للقتل ايضا.
فيما كان رأي بعض وجهاء العشائر المتنورة ان النهوة نهج غير صحيح وهي تقاليد غير مقبول ويحدث احيانا ان نتدخل كعشائر لحل الكثير من المشاكل التي من هذا النوع بسبب اخطاء يرتكبها اولاد العم بحق بنات عمومتهم تصل إلى نزاعات وممكن ان يكون ضحيتها الخاطب أو عائلته ، ويتأسف كثير من وجهاء العشائر في بغداد وبعض مناطق الفرات الاوسط والجنوب لأستمرار مثل هذه العادات التي تخالف الشريعة والقانون، مبينين ان هناك مجتمعات قبلية تدعو في كثير من الأحيان السلطات الحكومية إلى التدخل وضرورة تفعيل القوانين المدنية التي من شأنها القضاء على التقاليد والأعراف العشائرية، ومنها ( النهوة ) التي تسلب المرأة حريتها وكرامتها.
ومع الحديث الذي يدور حول النهوة التي تحدث داخل مجتمعات محافظة دينيا ، إلا ان الوجهة العامة للدين تقول ان النهوة تعتبر من الحالات الغير مقبولة والمرفوضة والتي حث الدين الاسلامي على اهمية التوعية بمخاطرها وآثارها السلبية فضلا على انها عادات مخالفة للدين ، أذ ان النهوة تنتهك حقوق المرأة وتسلبها ارادتها وتمتهن كرامتها كأنسانة ومن الواجب حماية حقها في اختيار حياتها ، ومن المؤسف ان نجعل المرأة محرومة ووحيدة لسنوات طويلة ومسلوبة الحياة.
وسبق أن ألغى العراق قانون العشائر عام 1958 ، وقضى على سلطة القبيلة السياسية، وحوّلها إلى هيئة اجتماعية ريفية يمكن للمرء الرجوع إليها للمشورة في حل وتسوية بعض الخلافات والمشاكل عائليا . لكن الفراغ السياسي وغياب سلطة القانون ما بعد أحداث 2003 ، أعاد للعشائر نفوذها وسيطرتهامن جديد، وسط غياب شبه تام للعدالة الاجتماعية.
آثار وعواقب وخيمة:
النهوة وان كانت غير ظاهرة للعيان لأسباب كثيرة منها التعتيم الاعلامي وغياب الوعي وضعف تطبيق القوانين ، تتسبب في ترك أثار خطيرة على الضحايا من الاناث والذكور، ويترتب على هذا مشاكل عديدة منها اجتماعية حيث انها تؤثر على الفتاة بشكل اكبر مما يؤثر على حياة الفتيان ، كما تتبعها آثار صحية ( نفسية وحتى جسدية ) تصل في احيان كثيرة إلى الانتحار، وقد شهدت مدن عديدة جنوب العراق في الخمس سنوات الأخيرة ارتفاع في اعداد ضحايا النهوة العشائرية ولجأت البعض منهن إلى الانتحار كما في ( ميسان والبصرة ).
وكثيرا ما تكون نتائجها أيضا الطلاق في اغلب الحالات بالإضافة إلى كثرة الخلافات الأسرية التي سببها الزواج بالإكراه، والاكراه هنا يشمل كلا الجنسين.
قوانين بلا آليات للحماية
بحسب رؤية المتخصصين والقانونيين تعتبر ( النهوة ) من ظواهر الزواج تحت الإكراه وأنها “جرائم يحاسب عليها القانون”؛ وذلك لفقدانها أهم ركن من أركان عقد الزواج والمتمثل بتوافق الإيجاب والقبول من كلا الطرفين، “والذي بدونه يصبح عقد الزواج باطلاً”.
ولو تفحصنا قانون الأحوال الشخصية العراقي لوجدناه يتضمن مادة صريحة وهي المادة التاسعة التي جاء فيها ، الفقرة ( 1 ) : “لا يحق لأي من الأقارب إكراه أي شخص، ذكراً كان أم أنثى على الزواج دون رضاه، ويعد عقد الزواج بالإكراه باطلاً، إذا لم يتم الدخول، كما لا يحق لأي من الأقارب، منع من كان أهلا للزواج، بموجب أحكام هذا القانون من الزواج”.. لكن القانون لم يضع العقوبة القانونية لمن يفرض النهوة ويعمل بها وتحديداً في المجتمعات العشائرية والقبلية.
أما الفقرة ( 2 ) من المادة التاسعة فقد نصت على : “يعاقب من خالف أحكام الفقرة (واحد) من هذه المادة، بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات، وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين، إذا كان قريبا من الدرجة الأولى، أما إذا كان المخالف من غير هولاء فتكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على عشر سنوات، أو الحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات”.
كما أن “المواد 431 و430 من قانون العقوبات العراقي تُعرف النهوة العشائرية على إنها جريمة تهديد ويعاقب عليها بالحبس”.
ورغم وجود قوانين وفرض عقوبات واضحة وصريحة في العراق ، لا تزال النهوة العشائرية سائدة في المجتمع العراقي وخصوصاً في المناطق الريفية المنغلقة، ويرجح الكثير إلى ان عدم التطبيق والافتقار الى آليات الحماية يضعف من قيمة القوانين نفسها في ظل غياب كامل للارادة السياسية بأهمية التطبيق الامثل للقوانين التي تكفل حماية النساء والفتيات من كل الانتهاكات ومنع الاكراه على أي حق انساني مشروع.
الخروج من دائرة الصمت
وبسبب النهوة العشائرية قررت فتاتين من سكنة قضاء الجبايش التابع لمحافظة ذي قار، تقديم شكوى ضد والدهن لشرطة المحافظة وضد عدد من أفراد العائلة ، وذلك بعد خلاف بين عشيرتين بمنطقة الجبايش، نظرا لأن شابين تقدما بطلب الزواج من الفتاتين وهن شقيقتان احداهما عمرها ٢١ سنة والثانية ١٩ سنة ، مما جعل اولاد اعمامهن يهددون الشباب حتى تطور الخلاف إلى نزاع واستخدام السلاح بأطلاق العيارات النارية مما أضطر الاجهزة الامنية للتدخل والسيطرة على الموقف.
البنات قدمن الشكوى بسبب منعهن من الزواج وتهديد الشباب المتقدمين للزواج منهن ، استنادا إلى القانون الصادر عن مجلس القضاء الأعلى في العراق عام 2019 والذي أعلن فيه اعتبار النهوة العشائرية المقترنة بالتهديد فعلاً إرهابياً، وإدراجها ضمن المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب، بحسب ما ذكرته صحيفة القضاء المختصة بعددها ال 45 الصادر في 4 تموز 2019، والذي يتطلب ان تكون هناك ادارة وتنظيم جيد للمجتمع وفق القانون الوضعي.
دور منظمات المجتمع المدني والحركة النسوية
تلعب منظمات المجتمع المدني دورا كبيرا في هذا الجانب حيث يؤكد الكثير من المدافعات والمدافعين عن حقوق المرأة والطفل على ضرورة التوعية القانونية، اذ أن المجتمع ينقصه الوعي الكامل بهذا الخصوص، ولا يعلم ان النهوة العشائرية جريمة يعاقب عليها القانون فضلا عن ان بعض النساء يجهلن الكثير عن حقوقهن وكيفية الحصول عليها، وهنا تقوم منظمات المجتمع المدني والمنظمات النسوية تحديدا في نشر الوعي واقامة الجلسات الحوارية والعديد من الندوات لمناقشة انتهاكات وقضايا كثيرة متعلقة بحقوق المرأة ومنها النهوة ، من اجل التوعية بالاضرار والمخاطر التي تخلفها على حياة المرأة أو الفتاة ، وللحد من هذه العادات السيئة والتي من شأنها ان تتسبب في أذى الفتاة وعائلتها.
كما يجدنَّ مجموعة من المدافعات ضرورة تشديد العقوبة على مرتكبي النهوة العشائرية لوضع حد لهذا العرف المخالف للنصوص القانونية ولمعايير حقوق الانسان التي تؤكد على احترام حقوق المرأة وتوفير الضمانات والحماية الكاملة لها.
وتؤكد باحثات اجتماعيات أشتغلن على قضايا من هذا النوع في عدد من المناطق الشعبية والريفية واستمعن لقصص كثيرة لنساء كن ضحية للنهوة وكبرن وهن يواجهن الحياة بمفردهن ويعشن على تراحم وتكافل العوائل القريبة منهن في حين يجب ان تأخذ وزارة العمل والشؤون الاجتماعية دورها في توفير الضمان الاجتماعي والرعاية الكافية لهن ، وأن تهتم المؤسسات المعنية بمتابعة وضع برامج تثقيف تستهدف المجتمعات التي لازالت تعيش اوضاع متخلفة تكون المرأة فيها ضحية للعرف العشائري القاسي، وللكثير من الأعراف المنبوذة دينيا وأنسانياً ، ويجب أن يكون الرادع الاول لها هو تطبيق القانون وأن تأخذ هذه القوانين مجراها الحقيقي في المجتمع لكي يشعر المواطن بأمان ويشعر أن هناك قضاء رادع وعادل يضمن للأنسان العيش بكرامة.
يبقى السؤال : كيف يمكن للدولة والمؤسسات الحكومية من توفير الضمانات الكافية للعيش بكرامة واستقرار خصوصا للنساء ضحايا النهوة وماهي السبل التي تكفل حمايتهن؟؟
