بغداد/ تبارك عيسى
خضعت عُلا أحمد، الى تجربة مريرة أثناء إجراء مقابلة معها من أجل الحصول على وظيفة قدمت سيرتها الذاتية للشركة المعلنة عنها. تجاوز المسؤول الذي أجرى المقابلة جميع المبادئ المهنية لشركته وبدأ يسألها “كيف يُمكن لفتاةٍ بجمالكِ أن تكون غير متزوجة”؟ ومن ثم ذهب أكثر من ذلك السؤال وقال لها بأنها شخصية دافئة جداً. لم تعرف عُلا (٢٥ عاماً) كيف تتصرف وماذا تقول، اكتفت بالقول “الزواج قسمة ونصيب” وأكملت المقابلة. بعدما جاءها القبول للعمل في الوظيفة التي قدمت لها، خضعت المرأة الشابة للمزيد من الضغط النفسي بعدما حضر نفس الشخص الذي قابلها في المرة الأولى لتوقيع عقد العمل. لقد أعلن لها وسوف يكون مديرها المباشر وسيرتبط عملها به، ما دفع بها الى رفض الوظيفة رغم احتياجها الشديد للعمل. وترى عُلا بأن فرصة الحصول على عمل تبدو صعبة حين لا تساوم الفتاة على كرامتها، إذ ان الكثير من الفتيات قد يتعرضن للتحرش الجنسي من قبل المسؤولين عن تشغيلهن.
تعرضت غسق (٢٣ عاماً) للمضايقة من قبل مدير إحدى الشركات العاملة في مطار بغداد أثناء تقديمها على وظيفة أيضاً. لقد طلب المدير منها حسب شهادتها، أن تقيم علاقة معه، الأمر الذي دفعها إلى ترك الوظيفة رغم الراتب المغري الذي كان يصل إلى 1000 دولار أميركي في الشهر. لم ترضخ غسق لابتزاز المدير وفضلت ترك العمل، انما كلفها ذلك الجلوس في المنزل. وتلتزم الكثير من الفتيات الصمت ولا يتحدثن عما يتعرضن له من مضايقات وحالات تحرش في الشركات والدوائر الحكومية، انما كسر بعضهن حاجز الصمت والخوف ليتحدثن عما تعرضن له من الاعتداء والضغوط النفسية في أماكن العمل.
ولا تقتصر المضايقات الجنسية على المدراء وأرباب العمل فقط، بل تتعرض النساء غالباً الى التحرش والمضايقات من زملائهن أيضاً. ويروى احمد حيدر (26 عاماً) كيف ان التحرش الجنسي بالفتيات تفاقم بشكل كبير وطال مواقع العمل، وتجاوز بعضها الرؤساء والمدراء ووصل إلى الزملاء. ويشير إلى ان الكثير من النساء يتعرضن للمضايقات والتحرش في العمل من قبل زملائهن. وتتنوع أشكال التحرش بحسب قوله، “بين الملامسة الجسدية والألفاظ أو النكات والتلميحات الخادشة للحياء، فمع اتساع نطاق الاختلاط بين الرجل والمرأة، أضحى من الطبيعي أن تتسبب كلمات الغزل على أقل تقدير بخدش الحياء”.
يتجاوز الاعتداء على النساء في أماكن العمل حدود التحرش ويصل أحياناً الى الاغتصاب وإخضاع المرأة عبر التهديد والسطوة الإدارية والنفوذ السياسي. هذا ما حصل مع هدى (٢٤ عاماً)، تعمل في احدى الدوائر الحكومية. تعرضت هدى للاغتصاب من قبل مديرها في آخر أيام الأسبوع، حيث خلت الدائرة تماماً من الموظفين، بينما تأخرت الضحية بغية انجاز عمل لم تستطع تركه وتأجيله للأسبوع المقبل. دخل المدير لمكتبها وأغلق الباب وراءه قائلاً لها، “لن يسمعك أحد، وإذا رفضتي سأفصلكِ من العمل لعدم انجازكِ مهامك”. بكت الموظفة وأبدت مقاومتها له، انما لم تفلت من يديه وأجبرها على ممارسة الجنس معه بالقوة. حصل المدير عما يريد ومن ثم سمح لها بالخروج على أن تنجز العمل في الأسبوع المقبل. تستعيد هدى ما حصل لها مثل كابوس كل يوم، انما لا تستطيع فعل أي شيء، ذلك انه مسنود من قبل أحد الأحزاب المتنفذة وهي تخاف منه.
أنماط التحرش
كثير من السيدات لا تفترضن سيناريوهات التحرش من قبل زملاء العمل ولا تشغلن تفكيرهن بتحليل تصرفاتهم اليومية سواء بالنظر أو الكلمات أو التلميحات أو حتى الأفعال التي تبدو عفوية. لكن هناك إشارات معينة لا يمكن التغافل عنها ولابد من الانتباه لها حين تصدر عن زميل بغية وضع مساحة له لا يمكنه تجاوزها. كما على المرأة العاملة تجنب البقاء بمفردها بصحبة أي زميل أو رئيس عمل في أماكن تسمح لأفعال التحرش. وتعطي أسيل محمد (35) الأهمية لقدرة كل فتاة تشعر بتصرفات غريبة من قبل رئيس على الدفاع عن نفسها. وبما ان المضايقات تتجاوز واقع العمل أحياناً وتكون عبر الهاتف المحمول أو وسائل الاتصال الأخرى، على المرأة أن تكون على درجة كبيرة من الثقة بالنفس ودرجة كبيرة من الوعي القانوني بحقوقها، وألا تشعر بأنها مذنبة لأنها تتعرض للتحرش أو المضايقات، أو خائفة في اتخاذ القرارات. ومن شأن ذلك ان يقودها لاتخاذ القرار المناسب والتدابير اللازمة بشأن المتحرش.
الحد من التحرش
يدعو الكثير من الأهالي إلى الحد من ظاهرة التحرش ليكونوا مطمئنين على بناتهم اللاتي يقضين ساعات طوال من العمل في الشركات والمؤسسات الحكومية، ويدعو واثق أحمد (53) عاماً المشرعون إلى اتخاذ قرارات صارمة بشأن هذه الظاهرة، ويضيف “يجب أن يتم فصل ومعاقبة كل تُسول له نفسه التحرش بفتاة في مكان العمل”، مُشيراً إلى ان “بعض المتنفذين لا يمكن محاسبتهم لارتباطهم بأحزاب وميليشيات وبالتالي يفرضون سيطرتهم على الدوائر الحكومية
يقول الصحفي احمد محمود ان “موضوع التحرش بالنساء في العمل من الموضوعات التي تحتاج الى وقفة حقيقية من الجهات الرقابية في المؤسسات ومتابعة وملاحقة من يُقدِمون على هذه الافعال غير الاخلاقية التي لا تمُت للأديان ولا للأعراف والتقاليد بأي صلة” معرباً عن أسفه لمحاربة المرأة وتهديدها بفصلها عن العمل في حال عدم تنازلها ورضوخها لشروط يمليها عليها مسؤولها في العمل. ويضيف الصحفي في هذا السياق، “على الرغم من ان التحرش في العمل مصنف ضمن الجرائم الوظيفية في العراق الا انه غير مطبق بسبب نفوذ المدراء وسلطتهم مما يثير تخوف النساء من الحديث بهذا الخصوص وما يشكله من تداعيات مجتمعية لهن ولعوائلهن”.
وترى رسل (٢٥) عاما ان “من اهم الصعوبات التي تواجهها المرآة اثناء العمل هي ظاهرة التحرش حيث تجعلها تحت خياريين: ترك العمل او السكوت. وعلى الرغم من وجود قوانين لمكافحة التحرش ترى رسل بان ظاهرة التحرش تُعد من اكبر المعوقات التي تواجهها المرآة في العمل ويجب ان تكون هناك منظمات متخصصة بالتحرش وان تكون هناك منظمات داعمة للمرأة وان تدافع عن حقوقها وان يكون هناك تشديد على قوانين التحرش ومساعدة النساء في الافصاح عن هذه الظاهرة .
استغلال المنصب والجهات الداعمة
يشير المتحدثون في هذا التقرير، إلى ان هُناك العديد من النساء أُجبرن على ترك العمل وأخريات قدمن تنازلات للحصول على الوظيفة، فيما التزمت أُخريات الصمت بدلاً عن الابلاغ عما تعرضن له، ويعود سبب الى مجتمع ذكوري يبرر فعل الرجل على حساب المرآة. وقد غيّبت العادات والتقاليد القوانين التي من شأنها استعادة حقوق المرأة، الأمر الذي كرّس التمييز القائم على النوع الاجتماعي في المجتمع العراقي.
ورغم كل الدعوات لا زالت المضايقات الجنسية قائمة، ويرى الباحث الاجتماعي علي صلاح ان ظاهرة التحرش مشكلة كبيرة انتشرت في البلاد بشكلٍ واسع حيث لا فرق بين المدن الكبيرة والأرياف ولا فرق بين امرأة صغيرة وامرأة كبيرة ولا بين محجبة وأخرى غير محجبة، جميعهن يتعرضن للتحرش على الرغم من سعي بعض الجهات المتخصصة لإيجاد الحلول لها. ويدعو الباحث المعنيين الى تجريم ظاهرة المتحرش مشيراً إلى ان هنالك من يحمل الفتيات المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة معللين ذلك بأن الفتاة ترجت من دون حجاب او بسبب لبسها الذي لا يناسب العادات والتقاليد. يقول بهذا الشأن، “هذا الامر غير صحيح حيث ان الشباب يقومون بالتحرش بجميع النساء سواء كانت محجبة او غير محجبة ولا سيما في اماكن العمل حيث هناك الكثير من الفتيات تركن العمل لهذا السبب والبعض الاخر لا يستطعن ترك العمل، كما لا يستطعن البوح بشأن التحرش، ذلك ان العمل يعد مصدر معيشة لهن ولعائلاتهن”.
وعلى الرغم من الدعوات للحد من ظاهرة التحرش يبقى هذا الأمر مرهوناً بمدى قدرة السطلات المعنية على محاسبة المتنفذين المسنودين من قبل الأحزاب الحاكمة، بحسب ما يشير الكثير من المواطنين، فضلاً عن الروايات التي قدمتها النساء الناجيات من التحرش.
