بغداد- حسين سعدون

اضطر محمد ذو العشرين عاماً إلى بيع أحدى كليتيه لحاجته الماسة للمال ليتمكن مِن سد احتياجات والده واشقائه التسعة الذين يعيشون في فقرٍ دائم، ويقول محمد ” كنت بأمس الحاجة لرأس مال يساعدني على فتح مشروع صغير لتوفير لقمة العيش لوالدَي واخوتي، وبعد أن فقدت الأمل بالعثور على اية فرصة عمل، اضطررت لبيع كليتي”.

التخفي بصفة مؤسسات خيرية

وبشأن طريقة بيع كليته يكمل محمد حديثه “عرضت كليتي للبيع عِبر أحد مواقع التواصل على شبكة الانترنت يتخفى تحت صفة مؤسسة خيرية” وبعد الاتفاق مع الوسطاء بدأ محمد رحلته الطويلة من بغداد إلى أحدى مدن كردستان شمال العراق، ويضيف محمد “سافرت إلى كردستان لإجراء العملية الجراحية في مكان سري بمتشفى خاص” وتابع محمد “عندما أدخلوني في ردهة طبية رديئة ترددت وطلبت منهم إلغاء الصفقة التي اتفقنا أن تجري بموجبها العملية الجراحية، ولكني تلقيت تهديداً عِبر هاتفي المحمول وتحذيرات لكي لا أتراجع، وأكشف ما حصل، واجبروني على اجراء العملية وكانت هنالك فتاة شابة على ما يبدو هي المتلقية لكليتي”.

وبشأن المبلغ الذي تم الاتفاق بموجبه على بيع الكلية، يقول محمد “وعدوني بالحصول على (6) آلاف دولار مقابل كليتي، ولكنهم أخَلوا بالاتفاق ولم أحصل إلا على (1250) دولار أميركي فقط، والذي لم يكفيني إلا لتسديد ديون عائلتي وبعض المصاريف التي تلت العملية”.

لم تكن صفقة علي رابحة فقد خسر صحته، وصرف المال دون أن يتمكن من فتح مشروع صغير، يُمكنه من كسب لقمة عيشه كما كان يحلم.

الفقراء يدفعون الثمن

مر العراق بسنوات من الحروب تلاها الفساد الاداري الذي تسبب بأزَمات اقتصادة كبرى في العراق، ونتج عن ذلك كله ظهور ما يسمى بـ”سوق الاعضاء البشرية السوداء” التي ازدادت خلال السنوات الاخيرة، مع انها كانت موجودة حتى ما قبل سقوط نظام صدام، إذ كان الفقراء يضطرون لبيع أحدى كلياتهم مقابل (مليون وخمسمائة دينار عراقي) ما يعادل (1250) دولار أمركي لدفعها بدلاً عن الخدمة العسكرية، ففي كل حين يتم استغلال الفقراء حسبما يقول (كريم) “اضطر أخي المرحوم جاسم إلى بيع أحدى كليتيه مقابل (مليون دينار عراقي ونصف) لدفعها بدلاً عن الخدمة العسكرية الإلزامة قبل سقوط نظام صدام، ليتم تسريحه ويتمكن بعدها من والعمل وتوفير لقمة العيش لعائلته” ويضيف كريم “بعد سقوط النظام تطوع أخي على الشرطة العراقية وتم تعيينه، لكنه أُختطف من قبل تنظيم القاعدة الإرهابي ولم نعرف عنه شيء”، مشيراً إلى ان “تجار الأعضاء البشرية غالباً ما يستغلون الفقراء في كل زمان ويغروهم بالمال لبيع أعضائِهم البشرية عن طريق وسطاء وكأنها قطع غيار” .

وفي ظل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي حالياً ازدادت تجارة الأعضاء البشرية، فغالباً ما يتم استغلال شباب صغار عاطلون عن العمل لأنهم في أمس الحاجة للمال، إذ يسعى بعض هؤلاء بأنفسهم إلى بيع أعضائِهم عبر شبكات وهمية يديرها سماسرة في العاصمة بغداد ومدن اخرى.

وقد يتم اختطافهم من الشوارع وهم يسيرون بمفردهم، ومن بين هؤلاء علي ذو الـ(15) عاماً والذي يعيش مع والدته في احدى أحياء بغداد الفقيرة ويعمل في جمع (الفافون) من النفايات ليبيعه ويوفر لقمة العيش له ولوالدته، ويقول علي “كنت أسير ذات يوم في أحد شوارع بغداد بمفردي، فتوقفت سيارة امامي، ولم أتمكن من الهرب رغم محاولتي”، ويضيف “اخذوني بالقوة وخلال دقائق فقدت الوعي لأصحو بعد يوم أو يومين في نفس المكان الذي اخذوني منه مستلقياً على الارض” وزاد علي “شعرت بألم في كامل جسدي دون أن أعرف انهم اجرو لي عملية جراحية واستأصلوا أحدى كليَتَي من جسدي كما تبين فيما بعد عند إجراء الفحوصات الطبية”.

العقوبة القانونية

ان عقوبة الطبيب والسمسار واحدة، حسب ما يشير رجال القانون، لافتين إلى “ان قسم الجريمة المنظمة في وزارة الداخلية العراقية شكل وحدة متخصصة لتعقب المتاجرين والسماسرة الذين غالباً ما يغرون الضحايا ليكونوا متبرعين بأعظائهم البشرية”، ويقول خالد مهنا أحد عناصر الشرطة المجتمعية ان “وحدته تراقب المشتبه بهم والسماسرة والاماكن التي يعملون فيها”، وأضاف “بأمكاننا اعتراض واعتقال الكثير من المتاجرين بالبشر وعرضهم على المحاكم، ولكن مهنتنا الرئيسة تقتصر على رفع مستوى الوعي بين الناس في المجتمعات الفقيرة الذين قد يسقطون ضحايا لهذه الشبكات التي قد تغرر بهم عبر طرق مختلفة كتسديد ديونهم ومن ثم يبتزوهم لبيع اعضائِهم”.

ولعل اقتصار عمل الشرطة المجتمعية على توعية المواطنين فقط، لا يحد من عمليات الاتجار بالبشر التي تحتاج إلى تطبيق أقصى العقوبات، وكان ممثل اللجنة المركزية للقانون الدولي الانساني في وزارة الداخلية العراقية الفريق الحقوقي هادي رزيج كسار أكد ان “الاتجار بالبشر قد تصل عقوبته إلى الاعدام في حال موت الضحية بحسب القانون الخاص رقم 28 لسنة 2012، إذ تم تحديد العقوبة بالسجن من خمسة أعوام إلى 15 عاماً بل وصلت بعضها إلى الإعدام في حال أدت الجريمة إلى موت المجني عليه” وأشار كسار إلى ان “جريمة الاتجار بالبشر مُحرمة شرعاً وقانوناً ويحاسب عليها القانون العراقي والدولي”.

ويبقى الأمر مرهوناً بمدى تطبيق القانون بصرامة ضد أولئك الذين يسيرون على نهج الجماعات الإرهابية التي كانت تتاجر بالبشر وأعضائِهم وكأنها قطع غيار، فهم ليسوا أقل جرماً منهم لأن أفعالهم قد تودي بحياة الضحايا.

اترك رد

رواة الحدث

وكالة عامة تتناول قصص من الواقع، يرويها أشخاص يشاركون تجارب حياتهم أو معاناة عاشوها، لم يتمكنوا من الحديث عنها في وقت حدوثها، لكنهم بعد مرور الوقت يفتحون قلوبهم، ويتحدثون عن تفاصيل حياتهم بحلوها ومُرها.

رئيس التحرير

Designed with WordPress

اكتشاف المزيد من Rowat ALHadath

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading