بغداد/ أمير مزهر
ينظر يوسف (13) عاماً بدهشة إلى زملائِه في المدرسة والذين يسبقونه بمراحل، وهم يُدخنون السجائر والارجيلة في المقاهي القريبة من مدرستهم، أو أماكن انتظار خطوط نقلهم إلى منازلهم، لكن مشهد التدخين اليومي لزملائِه بات طبيعياً، بعد أيام من التحاقه بالمدرسة مع الطلبة الجُدد في المرحلة الأولى من المدرسة المتوسطة، يقول يوسف وهو يتحدث لوالده “شاهدت زملائِي يدخنون خلف المدرسة أثناء انتظارهم للخطوط التي تقلهم إلى منازلهم”، ويضيف “ان سواق السيارات (أصحاب الخطوط) كانوا يعارضون تدخين زملائِه لكن الأمر اصبح طبيعياً فيما بعد، لدرجة انهم يخبئون السجائر في سياراتهم، بعدما كانوا يخبئونها قرب المدرسة بأكياس تحت التراب أو داخل المدرسة، وفي طريق العودة يدخنون سوياً”.
يُعد التدخين بين فئة المراهقين في المرحلة الثانوية من الظواهر السلبية في المجتمع العراقي، بسبب غياب الرقابة من قبل الأهل والقائمين على المؤسسات التعليمية، إذ ان ازدياد ظاهرة التدخين من قبل هذه الفئة في الشوارع والمقاهي وسيارات النقل العام، بات مؤشراً خطيراً، لما له من آثار سلبية، لذا كان لا بُد من الوقوف على هذه الظاهرة، والكشف عن ابعادها ومخاطرها الآنية والمستقبلية، للحد منها.
التخفيف من الضغوط
قد يلجأ بعض المراهقين للتدخين بسبب ما يمرون به من ظروف صعبة قد تكون أُسرية او أمور مادية، ويقول الشاب علي صدام (15) عاماً ان “السبب الذي يدفعه للتدخين هو التخفيف من الضغوطات التي يعاني منها” ويدرك علي تماماً ان “التدخين في عمر مبكر ليس ظاهرة سلبية فحسب، بل مُضر بصحته”، لكنه يعتقد ان “التدخين حرية شخصية وليس من شأن الآخرين التدخل في شؤونه”.
كما يرى أيمن هيثم (16) عاماً ان “التدخين يساعده كثيرا في التخفيف من حدة قلقه وغضبه، ويُهدئ أعصابه، وانه لا يدخن كثيرا الى في هذه الحالات””، وفي هذا الشأن يرى احمد مؤيد ان “من بين الاسباب الرئيسية لارتفاع ظاهرة التدخين ما يواجه الاولاد في فترة المراهقة من اضطرابات وضغوطات نفسية، لا يعرفون كيفية التصرف بشأنها، فضلاً عن المواقف التي تواجههم ضمن محيطهم الأُسري والاجتماعي فيلجأ بعضهم إلى التدخين للتقليل مما يعانونه من ضغوطات نفسية وعاطفية”.
التقليد الأعمى
الأسرة أول مكان ينشأ فيه الطفل والمراهق قبل أن يصبح أكثر نضجاً، لكنه حين يُشاهد أباه أو أخيه الأكبر يدُخنان قد يسلك نفس السلوك، ويرى عمار كاظم (40) عاماً ان “من الاسباب التي تدفع المراهقين للتدخين هو تقليد الكبار كالأب أو الأخ، وهنا يجب أن يكون الأب أكثر وعياً، ويُحذر أبنه من مخاطر التدخين الصحية، لكي يبتعد عنه”، كما يؤكد احمد محمد (38) عاماً ان “الشباب في هذه الفئة العمرية يميلون الى تقليد مَن يكبروهم سناً، ليشعروا بأنهم كبار ايضاً، أو يرغبون بتجريب ما يفعله غيرهم”، أما محمد قاسم (37) فيُشير إلى ان “أحد اسباب التدخين من قبل المراهقين هو تقليدهم لشخصيات مشهورة او ممثلين في افلام، فيعتقدون ان التدخين قد يرفع من شأنهم او يبرز شخصيتهم أمام اقرانهم فيقعون في هذا الخطأ ويدمنون التدخين”.
التسلية وقضاء اوقات الفراغ
قد يلجأ بعض المراهقين إلى التدخين لتسلية أنفسهم بسبب وقت الفراغ الذي لديهم، ويُشير مصطفى كريم (42) عاماً إلى ان “المراهقين في هذه المرحلة العمرية لديهم الكثير من الوقت الشاغر، مما قد يدفعهم إلى التدخين لتسلية أنفسهم وسد وقت الفراغ، بدلاً عن فعل أشياء تكون ذات فائدة لهم”، كما يؤكد حسين عبود (46) عاماً ان “بعض المراهقين يذهبون برفقة أقرانهم أو من يكبرونهم سناً من الشباب إلى المقاهي من أجل تدخين السجائر والأركيلة للتسلية وقضاء الوقت” منبهاً إلى “خطورة استنشاق دخان الأركيلة الذي يحتوي سموماً أكثر من السجائر دون أن يشعر هؤلاء المراهقين الذين يعتقدون انها وسيلة للاستمتاع بوقتهم”، داعياً السلطات إلى “منع دخول المراهقين الذين لم يبلغوا السن القانوني إلى تلك المقاهي”.
كما يعلل مرتضى عبد (50) عاماً اسباب انتشار التدخين لدى المراهقين إلى “أوقات الفراغ الكبيرة والتي تشعرهم بالوحدة، مما يدفعهم لفعل هذه الامور لقضاء هذه الاوقات”، مشدداً على ضرورة “تعليم الأهل لأبنائهم كيفية قضاء اوقات الفراغ بأشياء مفيدة، كالعمل أو قراءة الكتب مما يزيد من معرفتهم وثقافتهم، فضلاً عن ممارسة الرياضة وخصوصاً كرة القدم”.
ونصح باحثون اجتماعيون، بضرورة “توجيه الأهالي لأبنائِهم بمخاطر التدخين؛ لكي يتجنبوه، ولا يدمنوا عليه، فضلاً عن حث السلطات لذوي المقاهي بعدم السماح للمراهقين بالدخول اليها لكي لا يعتادوا على التدخين، فهم لا زالوا في مرحلة بناء جسمانية والتدخين قد يُشكل ضرراً كبيراً عليهم”.
إهمال الأهالي
يقع الدور الاكبر في محاربة ظاهرة التدخين على عاتق الأهل، واهمالهم لأولادهم وبناتهم يؤدي الى فلتان الوضع الاسري، وفي هذا الشأن تقول حنين عدنان(35) عاماً ان “سبب انتشار ظاهرة التدخين بين فئة المراهقين هو الإهمال من قبل الاهالي، خصوصا الأولاد منهم، لأنهم في هذه المرحلة العمرية بحاجة الى متابعة ونصح ليتجنبوا الوقوع في الاخطاء، خصوصاً التدخين والادمان عليه، مما يضر بصحتهم”.
وأكد محمد لطيف (45) عاماً ان “السبب الرئيس وراء انتشار هذه ظاهرة التدخين هو التقصير من قبل الاهالي، إذ يتركون ابناءهم بلا رقابة وبصحبة اصدقاء السوء الذين يؤثرون عليهم ويدفعونهم لسلوك افعال غير مقبولة، كالتدخين او ظواهر سلبية اخرى”، ويضيف محمود ان “الاهالي هم اصحاب الدور الأساس في تنشئة ابنائهم تنشئة صحيحة وإهمالهم قد يؤدي الى اتباعهم سلوك لا يناسب أعمارهم، كالتدخين”.
التوعية في المدارس
يقع على عاتق المُدرسين في المدارس دوراً كبيراً بعد الأُسرة في توعية الطلبة بمخاطر التدخين وضرورة الابتعاد عنه، ويشير مُدرس اللغة العربية عمار الخزرجي إلى ان “للمدرسة دوراً كبيراً في الحد من ظاهرة التدخين عن طريق حملات توعوية بشأن مضار التدخين وما يسببه من أمراض مزمنة ووفيات سنوية” مؤكداً ان “تلك الحملات تُعد رادعاً للكثير من المراهقين لتجنب التدخين، وهذا ما يغيب في غالبية المدارس”.
وتُشير التدريسية في الجامعة المستنصرية بثينة الحسن ان “الكثير من المدارس وخاصةً الإعدادية اصبحت بؤرة لتعلم هذه الامور حيث ينتشر فيها التدخين بشكلٍ كبير مع غياب دور بعض المدارس في محاسبة هؤلاء الطلاب وتبليغ اولياء امورهم”.
فيما يقول أحد أولياء أمور الطلبة انه “أبلغ مدير المدرسة التي يدرس فيها ابنه بمشاهدة بعض التلاميذ وهم يدخنون خلف المدرسة”، مشيراً إلى ان “المدير رد عليه بأن مسؤولية المُدرسين محصورة داخل المدرسة فقط”، مما صدم ولي الأمر وأثار مخاوفه بأن “ذلك قد يُعد خطراً على ولده الذي يَدرُس في تلك المدرسة، وقد يشاهد أبنه وهو يُدخن ذات يوم”.
وبالنتيجة الجميع يتحملون مسؤولية انتشار هذه الظاهرة بين أوساط المراهقين الذين إذا ما ما بدأوا التدخين في هذا العمر سيهلكون مبكراً.

اترك رد