بغداد/ جعفر محمد
يستمتع مهند (40) عاماً وهو يُدخن سيجارته مع زملائٍه علي ومحمد في مكان عملهم الذي لا يُمنع فيه التدخين، دون أن يهتموا لصحة زميلهم الذي لا يُدخن، لكنه يستنشق الدخان الذي يخرجونه مع الزفير، يقول صالح (46) عاماً “لم أدرك حجم خطورة ما أتعرض له من استنشاقي للدخان إلا عندما أجرى لي الطبيب المختص تحليلات قبل موعد عمليتي الجراحية”، ويُضيف “ان الطبيب أبلغ مساعده بجلب أوراق العملية والتحليلات الخاصة بي وهو يقول احضروا أوراق المُدخن الأصلي، وحين أبلغته اني لم أُدخل أي سيجارة إلى فمي، قال ان تحليلاتك تكشف عن كونك مُدمناً وخير دليل لون السواد في رئتيك”.
يُعد تدخين مادة التبغ من العادات الضارة التي يُمارسها الذكور والنساء حول العالم، إلا ان تأثيره يطال الغير مُدخنين ويُسبب لهم أضراراً أكبر، وهو ما يُعرَف بالتدخين السلبي الذي يُشكل تهديداً صحياً خطيراً، خصوصاً بعد التفنن من قبل الشركات المُصنعة لسجائر التبغ والإلكترونية، إذ يتعرض ملايين الأشخاص من مختلف الفئات العمرية بما فيهم الأطفال لهذه الظاهرة في الأماكن العامة والمنازل، مما يجعلها قضية صحية وبيئية تتطلب معالجة جادة.
أضرار التدخين
يُدخن العديد من الناس السجائر التقليدية المصنوعة من التبغ رغم التحذير الصحي المكتوب على علب السجائر والذي يُشير إلى ان التدخين سبب رئيسي لسرطان وأمراض الرئة وأمراض القلب والشرايين، ويقول احمد حسين (٢٩) عاماً وهو أحد المُدمنين على التدخين ان “التدخين يُسبب العديد من الأمراض مثل السرطان وأمراض الرئة بسبب الإدمان على استنشاق دخان السجائر لفترات طويلة”، كما يرى محمد علي (٢٦) عام أن “دخان السجائر يؤثر سلباً بشكل كبير على الأطفال المُجالسين للمدخنين من ذويهم، ويؤدي إلى مشاكل صحية قد تظهر في المستقبل، خاصة في الجهاز التنفسي”، فيما لا يأبه ناهض علوان (٤٠) عاماً لحجم الضرر الذي يتسبب به للآخرين، إذ يقول ان “التدخين بالنسبة لي يشكل نوعًا من الانتعاش ويمنحني طاقة إيجابية، لكنني أدرك أن هذا ناتج عن الإدمان”، ويُشير حسن علي (٥٢) عاماً إلى ان “للتدخين أضراراً كثيرة يُسببها للآخرين الغير مُدخنين صحياً ونفسياً، وحتى الرائحة الكريهة التي تبقى في ملابس وأجساد الغير مُدخنين الذين يُجالسون المدخنين”.
ويقول الطبيب محسن وحيد (٥٢) عاماً ان “التدخين يتباين بين الأشخاص، حيث إن بعض أنواع السجائر تحتوي على كميات كبيرة من القطران والنيكوتين، مما يزعج المدخنين والأشخاص المحيطين بهم”، وفي هذا الشأن يوضح حسين علي (٢٥) عاماً بأنه “يُدخن أنواعاً مختلفة من السجائر حسب الرغبة وقوة النيكوتين التي يحتاج”، ويُضيف “أحياناً أبحث عن نوع سجائر يحتوي على نكهة مميزه ونسبة قطران عالية”، كما يقول كرار كامل (٢٨) عاماً “أشعر براحة كبيرة عند تدخين السجائر القديمة التي تحتوي على نسبة قطران عالية، بعيدا عن السجائر التقليدية المتوافرة في الأسواق”.
السجائر الإلكترونية
يعتقد مُدخني السجائر الالكترونية انها أقل ضرراً على الرئتين من السجائر التقليدية، وفي هذا الشأن يقول عصمت حكمت (٣٥) عاماً ان “السجائر الإلكترونية تحتوي على نسبة أقل من النيكوتين مقارنة بالسجائر التقليدية، لكنها تساهم في إدمان الشباب على التدخين وتدمر صحتهم على المدى البعيد”، كما يُشير حسين سمير (٢٣) عاماً إلى ان “دخان الفيب (السيجارة الالكترونية) يحتوي على مواد كيميائية ضارة تؤثر بشكل كبير على الرئتين”، وفي المقابل، يرى بعض المراهقين الذين تتراوح أعمارهم ما بين ١٣ إلى ١٨ عام ان “الفيب له نكهات جميلة تجذبهم نحو التدخين ويعتبرونه تجربة جديدة” كما يقول كرار حيدر(17) عاماً، ويُضيف “أدخن في السيارة لأتمكن من التقاط صور لقصص حياتي على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أن هذا أصبح جزءً من أسلوب حياتنا، رغم الضرر الكبير الذي يسببه الدخان”.
ذوق وأخلاق
يجتمع الكثير من المُدخنين مع الغير مُدخنين في أماكن مختلفة، دون أن يأبه الكثير من المُدخنين للحالة الصحية للآخرين، وفي هذا الشأن ترى شهد محمد (36) عاماً ان “ظاهرة تدخين السجائر في الدوائر الرسمية وأماكن العمل دون الاهتمام للآخرين تتعلق بذوق وأخلاق المُدخنين، إذ ان عليهم أن يحترموا الناس وخصوصاً شريحة النساء، فأغلب النساء لا يُدخنن السجائر، وينبغي احترام وجودهن في المكان”، فيما تشكو سحر كمال (43) عاماً من تدخين زوجها في المنزل وتقول “أكثر مشكلة نعاني منها هي تدخين زوجي أمام أطفاله في المنزل، الأمر الذي يتسبب بضرر صحي عليهم، كما قد يتعلم الأولاد على التدخين حين يصبحون مراهقين”، فيما يشكو سامر سعد (35) عاماً من تدخين سائقي التكسي قائلاً “أُعاني من تدخين سائقي التكسي أكثر من معاناتي من المُدخنين في الأماكن العامة، فأغلب الأحيان يكون زجاج السيارة مُغلقاً في الصيف والشتاء لذا ينحسر الدخان داخل السيارة وأضطر لاستنشاقه مع اني لا أُدخن”، ويُضيف “بعض السائقين يسألونك قبل أن يُدخنون احتراماً لجلوسك بجانبهم، فيما يُنزل الآخرين زجاج السيارة ويطفئون التبريد أو التدفئة حسب الأجواء، إذا ما كانت صيفاً أو شتاءً، ويدخنون سيجارة أو سيجارتين أو يستمرون حتى إيصالي إلى وجهتي، وهذه مسألة تتعلق بذوق وأخلاق سائق السيارة ومدى احترامه للآخرين”.
الأرقام والإحصائيات:
بحسب منظمة الصحة العالمية، يتعرض نحو 1.2 مليار شخص للتدخين السلبي سنويًا في جميع أنحاء العالم، مما يؤدي إلى وفاة حوالي 1.2 مليون شخص نتيجة الأمراض المرتبطة بالتدخين السلبي. تشير الدراسات إلى أن النساء والأطفال هم الأكثر تأثراً بهذه الظاهرة.
حلول وجهود لمكافحة التدخين السلبي
أصدرت العديد من الدول قوانين تحظر التدخين في الأماكن العامة المغلقة والمرافق العامة مثل المستشفيات والمطاعم ووسائل النقل العامة، كما تم تحديد مناطق خاصة للتدخين لتقليل تأثيره على غير المدخنين، وانطلقت العديد من حملات التوعية بأضرار التدخين السلبي تساهم في رفع الوعي لدى المجتمع وتحفز الأفراد على اتخاذ إجراءات وقائية، كما تعمل هذه الحملات على تشجيع المدخنين على الامتناع عن التدخين في الأماكن العامة، كما فُرضت قوانين تشجع على إنشاء أماكن خاصة للتدخين في أماكن العمل لحماية غير المدخنين، والعديد من الشركات والمؤسسات بدأت بتطبيق سياسات خالية من التدخين، مما يساهم في توفير بيئة صحية للعاملين فيها، ويرى مهتمون بالبيئة ان “المنظمات الصحية تعمل على تعزيز الأبحاث بشأن تأثيرات التدخين السلبي وضرورة معالجة هذه القضية من خلال السياسات الصحية والبيئية، لما يُشكله التدخين السلبي من تهديد حقيقي على الصحة العامة”، وللحفاظ على صحة الأفراد، يدعو مختصون في مجال الصحة “الحكومات والمجتمعات للتعاون لتطبيق سياسات أكثر صرامة للحد من التدخين في الأماكن العامة، وزيادة التوعية حول الأضرار الصحية للتدخين السلبي، ودعم الأبحاث الطبية والتشجيع على تبني أسلوب حياة صحي يشكل خطوة هامة نحو تقليص آثار التدخين السلبي على المجتمع وحماية الأجيال القادمة من مخاطره فضلاً عن منع اجتماع المُدخنين مع الأصحاء الغير مُدخنين في مختلف الأماكن”.


اترك رد