بغداد/ زهراء باسم

شهد فتاة تبلغ من العمر (15 عاماً) تعيش مع والدها المُعاق في بغداد دون اخٍ مُعيل، تحملت مسؤولية والدها بعد وفاة والدتها، لتواجه معه العوز والحرمان، ولم يكفيهم عطف الجيران، سوى لسد جوعهم، فليس لديهم مصدراً يمنحهم المال الكافي لسد متطلبات معيشتهم، حتى التقت ذات يوم بالمتسولة مريم ذات الـ(16 عام).
بدايات التسول
التقت شهد بمريم التي كانت تكسب عطف المارة في الشوارع المكتظة ليمنحوها المال، وَتَكَرر لقاء شهد بمريم حتى اصبحتا صديقتان.
تقول شهد “حاولت أن أُجرب ما تفعله مريم ووقفت معها في الشارع لاستجداء المال من المارة، وحين عدت الى المنزل اعطيت المال الى والدي الذي فرح كثيراً، دون أن يسألني من اين حصلت على المال وطمع بالمزيد”، وتُضيف شهد “في صباح احد الايام ذهبت برفقة مريم للتسول قرب احدى المستشفيات، وفي تلك الاثناء طلبت مني مريم ترديد الجملة المعتادة من قبل المتسولات والمتسولين في شوارع بغداد (اعطوني من مال الله يا محسنين، يرزقكم الله)”.
وتشير شهد إلى انها “رددت الجملة باعلى صوتها، للحصول على المال من الناس، حتى ترجَلَ احد الاشخاص من سيارته ليسألنا عن سبب استجداء المال في هذا المكان”، ولفتت إلى ان “مريم كانت تتفنن في الحِيَّل، بكت وقالت له ليس لدينا مُعيل ونسكن في الشارع، فقال لنا: اركبن معي لن تحتجن الى المال بعد اليوم، وتمكن من اقناعنا بسهولة”.
وتستذكر شهد ما حدثَ لهن في ذلك اليوم بمرارة “اخذنا إلى منزلٍ صغير واعطانا النقود ومارس معنا الجنس دون ان نعي خطورة ما كان يفعله بنا في ذلك اليوم المشؤوم”.
ضحايا التسول
تُشكل ظاهرة التسول خطراً كبيراً على الفتيات، اللاتي تتزايد عمليات استغلالهن كلما كَبُرنَ، فرغم الحيل التي تستخدمها المتسولات كالبكاء والادعاء بالمرض، والعوق، إلا انهن يقعن ضحية ضعاف النفوس في المجتمع، بالاعتداء الجنسي عليهن او استغلالهنَ في تنفيذ الجرائم كالسرقة والمخدرات وغيرها من الافعال.
وتقول الدكتورة نهى الدرويش المتخصصة في علم الاجتماع “من السهل استغلال الفتيات المتسولات والاعتداء عليهن، او استدراجهن لارتكاب اعمال مُشينة يرفضها المجتمع” مشيرةً إلى “وجود عائلات متسولة بأكملها، كما ان هنالك اهالي بحاجة الى المال يدفون بناتهم الى التسول مقابل المال دون ان يعوا خطورة ما قد يحدث لهُن”.
ويلفت احد اصحاب المطاعم في منطقة السعدون إلى “ان هنالك الكثير من الاهالي في منطقة البتاوين المجاورة لمطعمه او غيرها كانوا يدفعون بناتهم الصغيرات إلى التسول من اجل كسب الملل”، ويُضيف “خلال ايام التظاهرات في بغداد كنت اشاهد الكثير من الفتيات الصغيرات يخرجن من منازلهن في منطقة البتاوين للتسول في ساحة التحرير، فيما تشهد منطقة الباب الشرقي خلال الفترة الحالية ظاهرة تسول الفتيات اللاتي يسكن اهاليهن قرب السوق الذي يكتظ بالمتسوقين يوم الجمعة وبعض ايام الاسبوع”.
مخاطر التسول ليلاً
تشهد بغداد تسول الكثير من الفتيات عند تقاطعات الشوارع ليلاً، وفي هذا الشأن تقول هدير صباح (٢٨ عاماً) ان “ظاهرة تسول الفتيات ليلاً تُشكل خطراً كبيراً عليهن”، وتضيف “تسول الفتاة حتى وقت متأخر من الليل يساهم في انحرافها، مما يدفعها الى ارتكاب اشياء غير اخلاقية، لأنها ستتعرف على اشخاص مشبوهين ومنحرفين، قد يدفعونها الى الادمان على الكحول والمخدرات، وحتى السرقة، او سلوك طريق الاجرام مما يجرها الى الهلاك”، فيما تُشير براء هادي (٣١ عاماً) إلى ان “الفتاة المتسولة ليلاً قد تتعرض للعنف او التحرش الجنسي، وتُحرَم من ابسط حقوقها كفتاة تحلم بأن يكون لديها زوج وتُكون معه أُسرة، بسبب تشويه سمعتها وفقدان كرامتها من قبل ضعاف النفوس، مما يُعرضها للاهانة من قبل الآخرين”.
فيما تعتبر غسق محمد (٢٤ عاماً) هذا النوع من الفتيات مظلوماً على حد قولها، وتضيف “لو تحققنا من دوافع التسول لوجدنا ان الفقر أولها، فضلاً عن التفكك الأُسري وفقدان النصيحة من الوالدين، فليس لدى الفتيات المتسولات ملجأ سوى التسول في الشوارع، وطلب العون من الناس دون ان يُدركن مخاطر هذا الفعل لاحقاً”.
نظرة المجتمع السلبية
ينظر المجتمع الى الفتيات المتسولات ليلاً على انهن بنات شوارع، وفي هذا الشأن تقول رانيا وليد (٢٣ عاماً) “مجتمعنا مليئ باشخاص من ذوي النظرة السلبية الذين يظلمون الفتيات وهُن في منازلهن، فكيف ينظرون إلى الفتاة التي تتسول ليلاً حتى وان لم تفقد شرفها” مُشيرة الى ان “الفتاة التي تتسول ليلاً ستفقد سمعتها في ظل هذه النظرة السوداوية للفتاة، في مجتمع ذكوري ينظر إلى المرأة على انها عورة”.
فيما ترى رغد محمد (٢٦ عاماً) ان “المجتمع لا يرحم الفتاة التي تتسول بمفردها ليلاً” وتضيف رغد “حتى الاشخاص الذين يدفعون فتياتهم الى التسول لديهم نفس النظرة السلبية الى الفتاة، لكنهم وصلوا الى مرحلة اليأس بسبب العوز والفقر الذي يمرون به فضلاً عن دوافع اخرى”.
الاسباب والحلول
تبقى الاسباب التي تدفع الفتيات إلى التسول مجهولة، وقد تكون معروفة من قبل الكثير من المعنيين بقضايا المجتمع، ولا يمكن التعرف عليها بسهولة، إلا بالبحث والتقصي والمراقبة، من اجل كشف الحقيقة، فليس من السهل معرفة سبب تسول فتاة عن أُخرى، فبعض الفتيات قد يتسولن تحت التهديد، من قبل بعض الرجال الذين يتاجرون بالفتيات، او قد يدفعهن العوز والفقر والحرمان إلى التسول.
وفيما يتعلق بالحلول الجذرية لهذه الظاهرة السلبية يرى الدكتور محمد رشيد (٤١ عاماً) ان “الحلول بيد الاهالي اولاً، والذين ينبغي ان لا يشجعوا بناتهم على التسول في النهار والليل، مهما كان حجم العوز والحرمان، لما يشكله ذلك من خطر عليهن”، لافتاً إلى ان “الحل الثاني بيد عناصر الشرطة المجتمعية الذين ينبغي تفعيل دورهم في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة”، ويتساءل الدكتور رشيد عن “دور اولياء الامور والرقابة الحكومية لمنع هذه الظاهرة السلبية”، داعياً اياها الى “التدخل الفوري للقضاء على هذه الظاهرة السلبية، والاسباب التي ادت اليها كالبطالة والعوز والحرمان”.

اترك رد

آراء القُراء والمختصين

نستقبل عِبر بريدنا الالكتروني المكتوب في معلومات الاتصال آراء القراء والمختصين بشأن ما يتم عرضه من قصص صحفية واقعية…

رئيس التحرير

Designed with WordPress

اكتشاف المزيد من rowatalhadath

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading