بغداد/ مريم رجاح

تشهد العاصمة العراقية بغداد ومحافظات أُخرى حالات انتحار نساء بين الحين والآخر، لكن هذه المرة حصلت في أقل من أسبوعين ثلاث حالات، اثارت مخاوف المجتمع، فإحدى النساء أطلقت النار على نفسها من مسدس زوجها في منزلهما بمحافظة ديالى، والثانية ماتت بعد أسبوع من حرق نفسها في بيت زوجها بمحافظة النجف، والثالثة انتحرت ببندقية صيد في بيت أهلها بمحافظة كركوك، ليترُكن الجميع في قلقٍ وحيرة من أمرهم، فما بال النسوة اللاتي أقدمنَ على الانتحار؟ فلا زالت أسباب انتحار ابنة ديالى غير معلنة، ولم تُكشف جميع الأسباب التي دفعت ابنة النجف ملاك ذي الـ(22) عاماً إلى حرق نفسها رغم كثرة الإفادات والروايات بشأنها، كذلك لم يُعرف السبب الذي دفع ابنة كركوك ذي الـ(18) عاماً إلى الانتحار.

المشكلات الاقتصادية والاجتماعية

تفاقَمَ العنف الأُسري في ظل حظر التجوال المفروض في العراق بسبب وباء كورونا، فمحافظة ديالى التي شهدت أكثر من (50) حالة انتحار في العام الماضي اغلبها لشباب لأسباب اقتصادية واجتماعية، شهدت حالة انتحار جديدة لأمرأة، لا زالت أسبابها مجهولة، لكن ما يتردد على لسان بعض القريبين من مكان الحوادث قد يكشف عن بعض الأسباب، وتُشير فاطمة محمد (٣٢ عاما) جارة المرأة التي انتحرت بإطلاق النار على نفسها من مدس زوجها في ديالى، إلى ان “جارتها كانت تعاني من ضغوط نفسية بسبب العنف الاسري الممارس ضدها من قبل زوجها مما أدى إلى انهيارها لعدم قدرتها على التعامل مع ضغوط الحياة”، فنتيجة لعدم تمكن الأبون من تلبية متطلبات الأبناء وتأمين حياه كريمة لهم، قد تجد المرأة نفسها في ظرف صعب فأما أن تتحلى بالصبر والايمان، أو تصاب بالإحباط والانهيار، وبالتالي تفكر بالانتحار، لكن الحياة الأسرية يجب أن تكون مبنية على التعاون لتجاوز مصاعب الحياة ومشقتها.

ومهما كانت الأسباب التي تدفع النساء إلى الانتحار ومن بينها سوء الاوضاع المعيشية، إلا ان “الزوج هو المعني بتلبية متطلبات أُسرته كما هو معتاد في المناطق ذات الطابع العشائري”، حسب ما يقول المواطن علي الذي يسكن في قضاء الخالص بمحافظة ديالى، مشيراً إلى ان “المشكلة الأكبر تكمن في توفر السلاح بمتناول اليد” ويبدي علي استغرابه قائلاً “كيف تمكنت المرأة من اخذ سلاح زوجها وإطلاق النار على نفسها بهذه السهولة”، نافياً أن “تكون الأوضاع المعيشية السبب الوحيد للانتحار، إذا كان انتحار فعلاً” على حد قوله، وقد تكون الأسباب أكثر غموضاً فالزوجين يعيشان مستقلان في منزلهما، على غير حادثة حرق النجفية ملاك لنفسها في بيت زوجها مع وجود أهله، والتي تم بموجبها اعتقال اربعة اشخاص على ذمة التحقيق، لأنها احرتقت أمام أنظارهم وتأخروا في إطفاء النار وإسعافها على حد ذكر اخت ملاك، وبينما دعت فاطمة “الحكومة والجهات المعنية إلى مسك زمام الأمور والتصدي لحالات الانتحار في المجتع العراقي”، دعت والدة ملاك إلى “إيقاف العنف الأًسري والتنمر بحق المرأة العراقية” ووصفت العنف الأسري بالـ”إرهاب”، وحثت النساء المعنفات على “الكشف عن العنف الممارس بحقهن وعدم الخوف”.، ولعل المشاكل الزوجيه والضغوط النفسية قد فاقت حدها لتوصل المرأة إلى هذا المستوى من الإحباط، فالمعاملة القاسية من أهل الزوج قد تدفعها الى التفكير بالانتحار.

الانتحار

اصبحت هذه الظاهرة بمثابة مرض استشرى في المجتمع العراقي إذ تلجأ بعض النساء إلى الانتحار نتيجةً لوصولهن إلى مرحلة اليأس، بسبب تعرضهن لأشد أنواع العنف الأُسري، أو مرورهن بمشكلات اقتصادية صعبة، فضلاً عن أسباب أُخرى، ويعرف علماء الاجتماع الانتحار بأنه “قتل الانسان لنفسه وازهاق روحه بوسائل مختلفة” فهنالك نساء انتحرنَ بإلقاء أنفسهن من ارتفاعٍ شاهق، وأُخريات تناولن مادة سامة أو جرعة حبوب زائدة مما أدى بهن الى الموت، وهنالك مَن حرقن أنفسهن بالوقود، وغيرهن بأدوات حادة قاتلة كالسكين.

وبقدر ما تحتاج النساء المعنفات للإرشاد والتوعية لحثهن على عدم الانتحار، يجب الحد من ممارسة العنف الأسري بحق المرأة ومنحها حقوقها كاملة وعدم التجاوز علبها، وتشير ريام حسن المتخصصة بالإرشاد التربوي إلى ان”اسباب العنف كثيرة نتيجة للاستهتار من قبل بعض الرجال الذين يتعمدون إلى ضرب النساء لأسبابٍ تافهة، فضلاً عن العوامل التي تساعد على تكوين العنف الاسري” مضيفة إلى ان “تلك التصرفات بعيدة عن الأخلاقيات الاجتماعيىة والدنية والحياتية التي لم تعد تواكب تطور المجتمع”، وتدعو ريام الأسر العراقية إلى “الرقابة على أبنائِهم حتى بعد زواجهم وعيشهم في بيتٍ واحد للحيلولة دون حدوث العنف الأُسري بين الأزاج” مناشدةً “المنظمات والمؤسسات الاجتماعية والمدنية إلى السعي لتشريع قانون يمنع العنف ضد المرأة”.

ويشير يوسف عبد الله إلى ان “العنف الاسري يُعد إساءة للأسرة بأكملها، فالاعتداء على المرأة لا يمثل رجولة، بل يمثل شكل من أشكال التصرفات المسيئة”، لافتاً إلى ان “هذه الظاهرة مرتبطة بتدهور الوضع الامني والاقتصادي في العراق”، واضاف ان “العنف الأٍسري مستمر بسبب عدم وجود قانون يحد منه”، مؤكداً “ان من واجبات الحكومة حماية الاسرة والطفل من العنف لأن الأسرة أساس بناء المجتمع”.

تحريم الانتحار وتشريع قانون

الانتحار عمل محرم في كافة الشرائع السماوية، لأن الله سبحانه استودع الروح في جسد بني آدم، فالإنسان ليس له الحق في إزهاق روحه من تلقاء نفسه، لأنها امانة لديه، لأن الله تعالى وحده من يحيي ويميت، ورغم كل ذلك تجد ان هنالك رجال ونساء يقدمون على الانتحار.

وتدعو الحقوقية رواء الموسوي إلى “ضرورة تطبيق القانون لردع الرجال الذين يسلكون العنف مع زوجاتهم واخواتهم” واضافت الموسوي “في حال اقرار القانون فأن الحكومة ستُجبَر على توفير دور ايواء للنساء المعنفات وانقاذ الضحايا ومحاسبه المتورطين” لافتةً الى ان “تطبيق القانون واقراره لا يعنيان انتهاء العنف الاسري الا ان نتائجه سوف تظهر على المدى البعيد وستُرفع قضايا امام المحاكم من قبل النساء المعنفات في بعض المناطق”.

وتوضح ان “القضاء سيدعم المحاكم بقوانين مختصه بشأن تلك الحوادث لتنظيم عملها”.

ويبقى كل ذلك مرهون بمدى جدية الحكومة العراقية في تشريع قانون رادع للعنف الأسري، بدلاً من حل الأمور عشائرياً، وقد تنفجر فيما بعد، فهنالك الكثير من النساء يتعرضن للعنف من قِبل أزواجهن الذين استولوا على ما لهن من إرث ويسعون لتعنيفهن من أجل الخلاص منهن، حسبما تشير أحدى النساء، مشيرةً إلى ان “زوجها غالباً ما يعتدي عليها بالضرب، بعد أن استولى على كل ما لديها” وبأنها “تضطر للسكوت والصبر لأجل أبنائها”.

وتبقى الكثير من أسباب الانتحار مجهولة لدى النساء المتزوجات في بيوت أزواجهن، والفتيات في بيت آباءهن، “فالبيوت أسرار” كما يقولون، باستثناء ما تمت الإشارة إليه من عنفٍ أسري، فهنالك نساء لهن قدرة على التحمل، وأُخريات قد يقدمنَ على الانتحار، مما يدعو المنظمات الإنسانية والحكومية إلى التدخل للقضاء على ظاهرة الانتحار ومسبباتها.

اترك رد

رواة الحدث

وكالة عامة تتناول قصص من الواقع، يرويها أشخاص يشاركون تجارب حياتهم أو معاناة عاشوها، لم يتمكنوا من الحديث عنها في وقت حدوثها، لكنهم بعد مرور الوقت يفتحون قلوبهم، ويتحدثون عن تفاصيل حياتهم بحلوها ومُرها.

رئيس التحرير

Designed with WordPress

اكتشاف المزيد من Rowat ALHadath

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة