بغداد/ جمانة رباح
وقفَت بجانب السيارة لتتحدث معي وهي تمضغ العلكة محاولة اثارتي لشراء الماء، انه استجداء بطريقه مثيره لفتاة لم تتجاوز ال(12) عام، يقول سائق التكسي محمد سمير (44) عاما “تصادفني يوميا عشرات الحالات في شوارع بغداد لفتيات بعمر الورد يبعن الماء والمناديل والحاجيات الاخرى كالمُشردات ” ويضيف سمير “هُناك مستقبل مجهول ينتظر هذه الفتاه وغيرها لأنها تقضي اكثر وقتها في بيع الماء حتى ساعاتٍ متأخرة من الليل”.
تقاطعات المشردات
تنتشر في شوارع بغداد آلاف المشردات، تم توزيعهُن بالتساوي بالاتفاق بين المسؤولين عنهم. وعند تقاطع باب المعظم المؤدي إلى السوق تقف الفتاة (ز.ك.) (11) عاماً، التي كانت تُمسك بيد المارة من الشباب وتسير معهم مسافة وهي تتوسلهم لشراء الماء منها، ويقول أحد الباعة في السوق “يومياً يأتي أشخاص في سيارة نقل ركاب وتنزل منها فتيات وبعض المرافقين الذين يحرسونهم من مسافة بعيدة وينزلون معهم بعض صناديق الماء والمناديل الورقية”، ويُضيف “في كل تقاطع يضعون فتاة أو فتاتين ويوزعون الأخريات على التقاطعات القريبة”.
م تكن هذه الفتاة هي الوحيدة التي تتسول قرب إشارات المرور، بل هنالك آلاف الفتيات تتراوح أعمارهُن بين (9-13) عاماً أو أقل من هذا العمر أو أكثر، إلى جانب عدد من الأولاد، يُشاهدهم كُل مَن يتجول في شوارع بغداد رُغم حر الصيف، تجدهم متفقين على ان لكُل منهم إشارة مرور أو مكاناً مُحدداً للاستجداء، فعلى طول الرصيف الممتد من شارع الرشيد وصولاً إلى منطقة الشورجة، إحدى أكبر المراكز التجارية في العاصمة ثم باب المعظم، تنتشر المشردات لكسب عطف المارة بهدف شراء الماء”. ويشير (عمار السوداني) (49) عاماً وهو أحد أصحاب المحال التجارية في سوق الباب الشرقي إلى ان “هناك باصات تأتي يومياً لثُقل عشرات الفتيات والشباب لتوزيعهم على تقاطعات الشوارع في بغداد” بشكل منطم ثم إعادتهم الى أماكن إيوانهم مساءً”، ويُشير ضابط أخر في الشرطة المجتمعية إلى ان “هناك عصابات تتاجر بالأطفال بشكل خاص، بهدف التسول وجمع اكل. عدد ممكن من المال” واكد ذلك مصدر أمني استخباري في المنطقة قائلاً: أن “أكثر من 60 متسولاً ومتسولة يعملون في المنطقة ذاتها، بإمرة شخص يُدعى أبو محمد، الذي ينقلهم صباحاً بواسطة باصات من البتاوين أو المناطق الفقيرة، لتتم إعادتهم عند المساء على شكل مجموعات إلى المنطقة ذاتها، بعد غلق المحال التجارية وانتهاء حركة السير”، ويضيف المصدر الذي رفض الكشف عن أسمه ان “أبو محمد يُدير متسوليه عبر تأمين المأوى والمأكل لهم، لقاء استحواذه والجهة التي تدير منازل الإيواء على الاموال التي يجمعونها”، ويُقدر متوسط ما يجنيه كل مُشرد ومتسول يومياً (75) ألف دينار عراقي يومياً.
مشردات عربيات وأجنبيات
قد يختلف اثنان على جنسية الفتيات المُشردات في بغداد، سواء من سوريا أو محافظات عراقية، أو من أحد البلدان الأجنبية، إذ ان بعض عصابات الاتجار بالبشر تأتي بهم من المحافظات إلى بغداد، ويمكن أن يتم التعرف على تلك الفتيات من شكلهن، وفي هذا الشأن يقول يوسف صابر (28) عاماً، “بعض الفتيات يتحدثن بلهجات ولغات مختلفة، فالسورية تقول (اشتري مني أو ساعدني مشان اللّٰه) ومعروف لدينا باللهجة العراقية (اشتري مني أو ساعدني لخاطراللّه) أو قدد تتحدث بعضهن بلغة عربية غير واضحة، مما يدل على انها بنغالية”.
ويرى مراقبون ان “الاتجار بالبشر جريمة والاسباب التي ادت الى التشرد والتسول كثيرة، من بينها عدم القدرة على توفير حاجاتهم بالعمل، والعوز والفقر بسبب فقدان المعيل الرئيسي للأسر. لافتاً إلى ان “عدم اداء ممارسة المؤسسات المختصة لدورها، أحياناً يأتي نتيجة تعاطفهم مع المشردين والمتسولين، لذا يستغل المسؤولين على هؤلاء ضعف الملاحقة القانونية، وقد يكون هؤلاء مسنودين من جهات عُليا”، فيما يُشير أحد الضباط إلى ان “هناك حملات أمنية تُنفذ بين الحين والآخر على المتسولين لكن سُرعان ما يتم إطلاق سراحهم”.
استغلال المشردات في بيع المخدرات
يُحذر علي بحر (36) عاماً من استغلالهم في توزيع المُخدِرات أو قد يكونوا مُتعاطين أصلا، ويقول بحر “هؤلاء لا يدركون مخاطر عملهم في الشارع مُنذ الصباح حتى ساعة مُتأخرة من الليل، فعصابات المخدِرات قد تستدرجهم للعمل معهم في توزيع مواد الكريستال المنتشرة بين الشباب، أو قد تتعاون تلك العصابات مع الجهات المسؤولة عن المتسولين، وبالتالي فهم لا يدركون ما يجري حولهم بسبب بيع وتعاطي المخدرات، وبعض المشردين جعلتهم المُخدِرات اشخاصاً خطرين على نفسهم وعلى الآخرين وبيع وتعاطي المخدرات قد يؤدي الى هلاكهم”.
استغلال الفتيات في الدعارة
تشهد بغداد تسول الكثير من الفتيات عند تقاطعات الشوارع ليلاً، وفي هذا الشأن تقول هدير صباح (30) عاماً ان “ظاهرة تسول الفتيات ليلاً تُشكل خطراً كبيراً علين”، وتضيف “تسول الفتاة حتى وقت متأخر من الليل يساهم في انحرافها، مما يدفعها الى ارتكاب اشياء غير اخلاقية كالدعارة أو ما شابه، لانها ستتعرف على اشخاص مشبوهين ومنحرفين، قد يدفعونها الى الادمان على الكحول والمخدرات، وحتى السرقة، او سلوك طريق الاجرام مما يجرها الى الهلاك”، فيما تُشير براء هادي (33 عاماً إلى ان “الفتاة المتسولة ليلاً قد تتعرض للعنف او التحرش الجنسي، وتُحرَم من ابسط حقوقها كفتاة تحلم بالزواج وتكوين أُسرة، بسبب تشويه سمعتها وفقدان كرامتها من قبل ضعاف النفوس، مما يُعرضها للإهانة من قبل الآخرين”. فيما تعتبر سحر محمد (28) عاماً هذا النوع من الفتيات مظلوماً على حد قولها، وتضيف “لو تحققنا من دوافع التسول لوجدنا ان الفقر أولها، فضلاً عن التفكك الأسري”، مؤكدةً “ضرورة احتواء تلك الفتيات لكي لا يتم استغلاهن من قبل عصابات الجنس والمخدرات”.
ثغرات قانونية
يكشف ضباط في الشرطة المجتمعية “وجود جهات تعمل مباشرة مع العصابات لإدارة التسول، ويوفرون محامون للدفاع عن المشردين والمتسولين قانونياً، إذ تم رصد تلك المؤسسات وتشخيصها وتوثيق أماكن تجمعها”، وبُضيف ان “محامو تلك المكاتب يستغلون بعض الثغرات القانونية خلال مرافعاتهم أمام القضاء، بهدف الحصول على حق إطلاق السراح مقابل كفالات مالية، فيما لديهم علاقات واسعة مع بعض الضباط في الأجهزة الأمنية، خصوصاً المكلفة بملاحقة المتسولين بهدف تخليصهم في تم إيداعهم في السجن”، وفي هذا الشأن كشف أحد الضباط عن “شغل تلك العصابات لأماكن معلومة لإيواء للمشردات والمشردين الذين يتم شراؤهم وتشغيلهم في التسول، ويوفر القائمون على تلك الأماكن المأكل والمسكن للفتيات والأطفال، فيما يتم توزيعهم على مناطق بغداد وشوارعها منذ السابعة صباحاً، ليُعادوا بشكل منظم الى أماكن إيوائهم مساءً”، ويُشير ضابط آخر في المجتمعية، إلى ان “هناك عصابات تتاجر بالأطفال بشكل خاص، بهدف استخدامهم للتسول، إذ يتم شراء الأطفال من المناطق الساخنة مستغلين فقرها أو فقدان بعض الأسر لمعيليها” ويضيف أن “العاصمة بغداد هي وجهة غالبية الأطفال الذين يتم شراؤهم من المحافظات، وإن عصابات الاتجار بالبشر تعمل بمعظمها ضمن رقعة المدينة الجغرافية، ولديها أذرع أخرى في المحافظات”.
الحد من الظاهرة
تكمُن الحلول للحد من ظاهرة التشرُد والتسول بإجراء حملات واسعة في مختلف محافظات العراق، ويدعو مختصون بالشأن “الاجتماعي قوات الأمن العراقية إلى مداهمة أوكار عصابات الاتجار بالبشر ومحاكمتهم وإيداعهم في السجون ومعاقبتهم”، مطالبين “الجهات المعنية بإيوائهم في دور الرعاية وتوفير فرص عمل للبالغين، والكشف عن الأيادي الخفية التي تُساند تلك العصابات، لكي لا يُطلقوا سراح المُشردين من جديد”.
ويُشير مختصون بالقضاء إلى ان “قانون مكافحة التسول ينُص على معاقبة المدان بجريمة التسول في الطرق العامة بالحبس لمدة شهرين، في حال كان صحيح البنية، والحبس لمدة شهر إن كان غير صحيح البنية، وتزداد العقوبة إلى ثلاث شهور، لمن يتصنع الإصابة بجرح أو عاهة للتسول”.
ويدعو مواطنون الحكومة إلى “توفير العمل اللازم للمُشردات والمُشردين في حال قدرتهن على العمل ورعايتهم في دور رعاية في حال وجود عدم قدرتهم على العمل”.
