بغداد/ رُسل اسماعيل
تختلف الأحكام التي تُطلق لوصف عملية الإجهاض، (وهي عملية التخلص من الجنين قبل أن يولد بعد اكتشاف عملية الحمل الممنوع) فبينما يصفها البعض بالخيار المُر، يُدرجها آخرون ضمن جرائم القتل المتعمد، وتشير الإحصائيات إلى (46) مليون عملية إجهاض تجري في العالم، وأغلب النساء تكون مُجبرة، على هذا العمل من بين (210) مليون امرأة حامل، (58%) منهن في قارة آسيا، و(17%) منهن في قارة أوروبا، وفي العراق تحديداً يُعد الابتزاز المادي احد الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة العراقية الراغبة في الإجهاض، لاستغلالها من قبل الأطباء الذين يجرون لها العملية مقابل مبالغ مالية طائلة.
شهادات عن الاجهاض
حملت هدى خارج اطار الزواج، فاضطرت للإجهاض بعد تسعة ايام فقط من اكتشاف عملية الحمل، ووصفت الفترة ما بين اكتشاف عملية الحمل والاجهاض حتى تعافيها، بأنها “الفترة الأصعب في عمري، لخوفي الشديد من أهلي ومجتمعي المحافظ” وتواصل هُدى التي تسكن محافظة واسط رواية قصتها “في البداية فكرت في تناول بعض الادوية لكنني خشيت عواقبها، فقررت الذهاب الى طبيب معروف يُجري عمليه الاجهاض مقابل (1500) دولار أميركي، لكني لم أكن امتلك سوى (400) دولار، وتدبرت أموري وأجريت العملية على كل حال”، فيما لم تجد الشابة فيفيان طبيباً يُجري لها العملية، مما اضطرها إلى سلوك طريق آخر، وتقول ڤيڤيان “جربت نوعاً مختلفاً من الاجهاض بعد أن حملت من صديقي، ولم اجد طبيبا يقبل منحي اجهاض آمن مما اضطرني للجوء الى اماكن غير مرخصة حاول العاملون فيها ابتزازي مادياً، ومارست علي ضغوطا نفسية كبيرة” وكادت ڤيڤيان أن تفقد حياتها لكنها في النهاية لجأت للإجهاض بتناول كمية ضخمة من الادوية الممنوعة على الحامل، على حد قولها وتضيف “أُصبت بنزيفٍ حاد فلم أستطع الذهاب الى المشفى فاتصلت بصديقتي التي انقذتني بعد أن كنت ع وشك الموت”.
وتلجأ العديد من نساء الطبقة الفقيرة إلى الوصفات العشبية باعتبارها الحل الوحيد لعدم قدرتهن على تحمل تكلفة عمليات الاجهاض، أو شراء الحبوب الدوائية، ومن بين تلك الوصفات والتي تترك أثراً سلبياً على الحمل مما يؤدي بالنتيجة إلى الخلاص من الجنين المسكين الذي لا ذنب له سوى ان امرأةً ما حملته في رحمها بالخطأ.
الاجهاض غير المشروع
يُعد الاجهاض غير المشروع من بين الأعمال التي لا تُزعج السلطات، لأنهُ يتم في الخفاء، فإن لم تُسعف الوصفات العشبية المرأة الحامل في عملية الإجهاض، فقد تلجأ الى حمل اشياء ثقيلة او ممارسة رياضة قوية او القفز من مكان مرتفع من أعلى السرير بشكلٍ متكرر، أو تضع ثقلا شديدا على منطقة أسفل البطن، لكنها قد تضطر أحياناً لوخز عنق الرحم باستخدام اشياء جارحة، وهي محاولات قد تسبب لها الأذى، كالنزيف الحاد والجروح الداخلية، وتصيبها بمضاعفات قد تؤدي الى الوفاة او استئصال الرحم، وهي محاولات متعددة لجأت إليها الكثير من النساء اللاتي تحدثت كل منهن عن تجربتها المريرة.
وعلى الرغم من حظر بيع حبوب الاجهاض الدوائي في الصيدليات الا بوصفة طبية يقول الدكتور الصيدلي حسين علاوي “لم يحدث ان سألني اي جهاز رقابي عن صرف حبوب الاجهاض دون وصفة طبية، ولا أعرف العواقب القانونية لذلك، ولم ندرس هذا الموضوع في كلية الطب” واستدرك قائلاً “ولكن هناك عُرف سائد فيما بين الصيادلة، هو الالتزام بالقانون من هذه الناحية حتى لا تكتسب الصيدلية سمعة سيئة” لافتاً إلى ان “عواقب الاجهاض الدوائي دون متابعة طبيب قد تكون كارثية”، وفي العاصمة بغداد يختلف الوضع عن أغلب المحافظات قليلاً، حسب ما يشير الصيدلي علي مجيد، والذي يقول “قبل سنوات كان الميزوتيك (علاج الإجهاض) يباع في الصيدليات بشكلٍ طبيعي وبسعر زهيد لا يتجاوز (3000) دينار عراقي، أي ما يُعادل (دولارين ونصف الدولار) لكن عندما منعت ادوية الاجهاض في الصيدليات وتم حصر استخدامها في المستشفيات، ارتفع سعرها ووصل إلى (50.000) دينار عراقي أي ما يعادل (42) دولار أميركي” لافتاً إلى ان “قرار منعها لم يمنع بيعها في الصيدليات فهي لا تزال متاحة بشكل غير رسمي، فضلاً عن السايتوتيك الذي يُباع على شكل أقراص في السوق السوداء”، وقد لا يُبالي الباعة بحجم المضاعفات التي قد تلي عملية تناول تلك الأدوية.
واوضحت الطبيبة النسائية زمن رحيم ان “مضاعفات الاجهاض الدوائي متعددة ومنها النزف الشديد، وقد يحدث اجهاض جزئي، ويبقى جزء من الجنين في الرحم فيتعفن ويسبب حالات تسمم قد تؤدي إلى الوفاة”، أما الطبيبة سمر محمد إجراء الطبيبات فتؤكد إجراؤها لهذه العمليات لإنقاذ أرواح الفتيات من القتل، ولإنقاذ سمعة عائلاتهن، لأننا في مجتمع محافظ قد لا يرحم الفتاة، ونحن نؤدي مهمتنا الإنسانية ولا أرى اي خطأ في عملنا”.
خدمات توصيل حبوب الاجهاض
هنالك طرق كثيرة لإيصال حبوب الإجهاض الى الفتيات دون خروجهن من المنزل، فلا تُباع ادوية الاجهاض في الصيدليات والمستشفيات فقط، وتشير أحدى الفتيات إلى ان “الكثير من أنواع الأدوية تباع عن طريق تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي”، في الكثير من الدول العربية وتحمل تلك الأدوية أسماء تجارية مختلفة منها (سايتوتيك، وميزوتيك، وارتوتريك، وميزوترل، وغيرها) ويتولى مروجون بيعها عِبر مواقع التواصل الاجتماعي ومن بينها واتساب، بشكلٍ غير قانوني، وبمبالغ طائلة خصوصا في (السعودية والامارات واليمن وسلطنة عُمان وقطر والكويت والعراق) وغيرها من الدول العربية.
العقوبة القانونية للإجهاض
تتفاوت العقوبة القانونية لجريمة الإجهاض حسب القانون العراقي، وتصل إلى نحو (15) عاماً، إلا ان هذه الوقائع تبقى طي الكتمان درءً للمسؤوليات الجزائية، ويقول القاضي خضير سلمان ان “الاجهاض يُعد جريمة عالجها قانون العقوبات العراقي بالمواد (417-418-419)” لافتاً الى ان “القانون فصَل في كل فقرة الحالة وعقوبتها” واضاف سلمان ان “الاجهاض حدد وفق حالات معينة، فإذا تم الإجهاض بموافقة المجني عليها تكون العقوبة وفق المادة (417) من قانون العقوبات، وإذا تم دون رضاها تشمل العقوبة الشريك أيضاً، وإذا أدت عملية الإجهاض الى وفاة المجني عليها حدد القانون عقوبتة تصل إلى نحو (7) سنوات سجن” وزاد القاضي ان “هناك ظرفا مشددا اذا كان الشريك طبيباً او صيدلانياً او كيميائياً او قابلة مأذونة، يكون هنالك حكم الظرف المشدد والذي يصل اكثر من () 7سنوات، وفي حال تم الإجهاض دون رضا المجني عليها، يُحكم مرتكب جريمة الإجهاض مدة تزيد عن (10) سنوات” لافتاً إلى ان “المادة (419) من قانون العقوبات حددت حالة الشخص غير المتعمد الذي يرتكب جريمة كالضرب المؤدي الى الإجهاض، والتي تصل عقوبتها إلى (5) سنوات، وأضاف القاضي “إذا اجهضت المرأة نفسها لتتقي العار يُحكَم قريبها الذي اجهضها وفق المادة (419).
ولعل الأضرار التي تتسبب بها هذه الأنواع من علاجات الإجهاض، وتزايد أعداد ضحاياه في العراق وعدم تمكن السلطات من معرفة الجُناة الذين تسببوا بهذه الأفعال، هي التي أدت إلى منع بيعها علناً في الصيدليات، ففي المستشفيات قد تعترف المجني عليها وتذكر أسم الفاعل الذي تسبب بحملها، لينال الجزاء العادل، وهذا ما يُمكن أن يحدث في حال ساد الأمن والقانون في البلاد، ويُعامل الجميع سواسية، بغض النظر فيما إذا كان الجاني صاحب سُلطة أو مال أو جاه.




اترك رد